الإمام أحمد - رضي الله عنه - فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته، وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب، وإلا أعاد العقوبة" [1] ، إذن اتضح لنا من خلال النصوص المتقدمة اعتبار الأئمة الأربعة للمصالح المرسلة في أحكامهم الفقهية، وفي تفريعاتهم الجزئية، وهذا ما ينفض كثيرا من الغبار عن القول الشائع من قصر القول بالاستصلاح على المذهب المالكي، وقد فطن لهذا الأمر الدكتور الخن من قبل؛ فقال:"تكاد كلمة الأصويين تلتقي على أن القول بالاستصلاح - المصالح المرسلة - أمر مختلف فيه، وأن الراجح من الآراء أنه لا يصح الاستدلال به، إذ لا دليل على اعتباره، وأنه لم يذهب إلى القول به إلا الإمام مالك رحمه الله، ولكنك إذا راجعت فقه الأئمة الثلاثة، واجتهاداتهم في مراجعها الأصلية رأيت ما يدل على أنهم جميعا كانوا يبنون أحكامهم الاجتهادية على وفق المصالح المرسلة" [2] ."
المعاصرون القائلون بالاستصلاح
أما موقف المعاصرين من الاستصلاح فقد أجمله الشيخ الدكتور القرضاوي بقوله:"لم أر أحدا من فقهاء عصرنا، إلا اعتد بالمصلحة المرسلة، واعتبرها من أدلة الشرع، فيما لا نص فيه، بشروطها الشرعية، وضوابطها المرعية" [3] . ثم ذكر عددا من الفقهاء الذين نصوا على اعتبارها، وجعلوها دليلا، كالشيخ
(1) المرجع السابق نفسه.
(2) الخن، مصطفى الخن، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، ط 1، (بيروت: مؤسسة الرسالة ناشرون، 1427 - 2006) ، ص 554.
(3) القرضاوي، يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، ط 1، (مصر: مكتبة وهبة، 1419 - 1998) ، ص 103،