الأمور السياسية من باب: أنتم أعلم بأمور دنياكم [1] ، وأيضا بنصوص تراثية لعلماء متقدمين فطنوا لهذا الأمر وفهموا أبعاده، مثل قول الجويني:"ولا مطمع في وجدان نص من كتاب الله تعالى في تفاصيل الإمامة" [2] . وقول ابن عقيل الحنبلي:"ولا تقف السياسة على ما نطق به الشرع" [3] . وممن صرح بذلك ابن القيم؛ فقال معلقا على تبدل الحال في الحَجِّ حسب المصلحة:"والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكل عذر وأجر ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين، وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي تأويل القرآن والسنة ولكن: هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فتتقيد بها زمانا ومكانا" [4] . وكذلك نقله لكلام ابن عقيل:"السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك:"إلا ما وافق الشرع"أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح. وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من"
(1) مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، ب ط، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي) ،4/ 1836، باب امتثال نا قاله شرعا، الحديث رقم: 141.
(2) الجويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم، ط 2، تحقيق: عبد العظيم الديب، (مكتبة إمام الحرمين، 1401 هـ) ،ص 61.
(3) المرداوي، علي بن سليمان المرداوي الدمشقي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ط 2، (دار إحياء التراث العربي) ، 10/ 250.
(4) ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، الطرق الحكمية، ب ط (مكتبة دار البيان) ، ص 19.