ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم زيدت (من) الاتصالية [1] ؛ مبالغة. كقول الشاعر:
وَالنَّاسُ مِن بَيْنَ مَرْحُوبٍ وَمَحْجُوبِ [2]
كأنهم ناشئون من البين [ليبتدئ] [3] تقسيمهم منه ألبتة، فجعل ابتداءهم منه بمنزلة ابتداء التقسيم.
ويجوز أن تجعل (من) بيانية [4] نظرا إلى إقحام (بين) ، والأول أبلغ." [5] أهـ"
فإن قلت: الأقسام لاتنحصر فيما ذكر، فإن من الناس من لا يطلب إلا الآخرة؟ !
قلت: ليس المقصود حصر أقسام الناس مطلقا، بل لما ذكر قوله [6] : (أن تبتغوا من فضل الله) قسم أهل الطلب إلى مُقل ومكثر، وهم لا يخلون عنهما، ولو سلم فإن من لا يطلب إلا الآخرة سيذكره بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [7] ، فإن من باع نفسه لله صار كأنه مولاه.
(1) يقصد"من"الابتدائية.
(2) هذا عجز بيت وتمامه:
إِذَا اعْتَرَوْا بَابَ ذِي عَيْبَةٍ رُحِّبُوا ... وَالنَّاسُ مَا بَيْنَ مَرْحُوبٍ وَمَحْجُوبِ
لم أقف على قائله، وهو مروي بلفظ"ما"وليس"من". ومعنى مرحوب: مكرم ومرحب به، ومحجوب يعني: مهان. وهو بهذه الرواية من شواهد البحر المحيط (10/ 429) .
وروي أيضا بلفظ: إِذَا اعْتَرَوْا بَابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِبُوا ... وَالنَّاسُ مِنْ بَيْنِ مَرْجُوبٍ وَمَحْجُوبِ
اعتروا: نزلوا به وأصابوه. والعبية: الكبر والفخر. ورجبة الرجل: عظمته. يقول: إنهم يلجون أبواب العظماء لا تمنعهم الحجب، بخلاف غيرهم فإنهم تارة وتارة. وهو بهذه الرواية من شواهد الكشاف (4/ 722) ، وقد ذكره العلامة محب الدين أفندي في كتابه"تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات شرح شواهد الكشاف" (47) ، والعلامة محمد عليان المرزوقي في كتابه"مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف" (17) ولم ينسباه لقائل.
(3) في ب: لبتدى. والمثبت أعلى هو الصحيح.
(4) من البيانية: هي التي تبين أن ما بعدها جنس يشمل ما قبلها. نحو: {أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} [الكهف: 31] .
وهي مع مجرورها في محل نصب على الحال إن كان ما قبلها معرفة، نحو: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] ، ونعت تابع لما قبلها إن كان نكرة، نحو: (رَأَيْت رجلا من قَبيلَة بني تَمِيم) .
ينظر: الجنى الداني (1/ 309) ، أوضح المسالك (3/ 18) ، الكليات (1/ 832) .
(5) حاشية الكشف على الكشاف، لعمر بن عبد الرحمن (1/ 387) .
(6) يقصد قول الله تعالى: {أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198] .
(7) سورة: البقرة، الآية: 207.