قال لا يعرف ما المراد بهذا الفارقليط ولا يتحقق لنا معناه ومن تأمل الفاظ الانجيل وسياقها علم أن تفسيره بالروح باطل وابطل منه تفسيره بالالسن النارية وابطل منهما تفسيره بالمسيح فان روح القدس ما زالت تنزل على الانبياء والصالحين قبل المسيح وبعده وليست موصوفة بهذه الصفات وقد قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانو آباءهم أو ابناءهم أو اخوانهم او عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه وقال النبي صلى الله عليه و سلم لحسان ابن ثابت لما كان يهجو المشركين اللهم ايده بروح القدس وقال ان روح القدس معك ما زلت تنافح عن نبيه واذا كان كذلك ولم يسم احد هذه الروح فارقليطا علم أن الفارقليط امر غير هذا وأيضا فمثل هذه الروح لا زالت يؤيد بها الانبياء والصالحون وما بشر به المسيح ووعد به امر عظيم يأتي بعده اعظم من هذا وأيضا فانه وصف الفارقليط بصفات لا تناسب هذا الروح وانما تناسب رجلا يأتي بعده نظيرا له فانه قال ان كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وانا اطلب من الاب أن يعطيكم فارقليطا آخر يثبت معكم الى الابد فقوله فارقليطا آخر دل على انه ثان لاول كان قبله وانه لم يكن معهم في حياة المسيح وانما يكون بعد ذهابه وتوليه عنهم وأيضا فانه قال يثبت معكم الى الابد وهذا انما يكون لما يدوم ويبقى معهم الى آخر الدهر ومعلوم انه لم يرد بقاء ذاته فعلم انه بقاء شرعه وأمره والفارقليط الاول لم يثبت معهم شرعه ودينه الى الابد وهذا يبين أن الثاني صاحب شرع لا ينسخ بل يبقى الى الابد بخلاف الاول وهذا انما ينطبق على محمد صلى الله عليه و سلم وايضا فانه اخبر ان هذا الفارقليط الذي اخبر به يشهد له ويعلمهم كل شيء وانه يذكر لهم كل ما قال المسيح وانه يوبخ العالم على خطيئته فقال والفارقليط الذي يرسله ابي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كلما قلت لكم وقال اذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله هو يشهد اني قلت لكم هذا حتى اذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه وقال ان خيرا لكم ان انطلق الى أبي ان لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فان انطلقت ارسلته اليكم فهو يوبخ العالم على الخطيئة فان لي كلاما كثيرا اريد ان أقول لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن اذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم الى جميع الحق لانه ليس ينطق من عند نفسه بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للاب فهذه الصفات والنعوت التي تلقوها عن المسيح لا تنطبق على أمر معنوي في قلب بعض الناس لا يراه احد ولا يسمع كلامه وانما تنطق على من يراه الناس ويسمعون كلامه فيشهد للمسيح ويعلمهم كل شيء