ويذكرهم كلما قال لهم المسيح ويوبخ العالم على الخطيئة ويرشد الناس إلى جميع الحق ولا ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبرهم بكل ما يأتي ويعرفهم جميع ما لرب العالمين وهذا لا يكون ملكا لا يراه أحد ولا يكون هدى وعلما في قلب بعض الناس ولا يكون إلا إنسانا عظيم القدر يخاطب بما أخبر به المسيح وهذا لا يكون إلا بشرا رسولا بل يكون أعظم من المسيح فإن المسيح أخبر أنه يقدر على ما لا بقدر عليه المسيح ويعلم ما لا يعلمه المسيح ويخبر بكل ما يأتي وبما يستحقه الرب حيث قال إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله ولكنكم لا تستطيعون حمله ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب فلا يستريب عاقل أن هذه الصفات لا تنطبق إلا على محمد صلى الله عليه و سلم وذلك لأن الأخبار عن الله بما هو متصف به من الصفات وعن ملائكته وعن ملكوته وعما أعده في الجنة لأوليائه وفي النار لأعدائه أمر لا تحتمل عقول أكثر الناس معرفته على التفصيل قال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله وقال ابن مسعود ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وسأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن قال ما يؤمنك أن لو أخبرتك بها لكفرت يعني لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت بها وكفرك بها تكذيب بها فقال لهم المسيح إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله وهو الصادق المصدوق وفي هذا ولهذا ليس في الإنجيل من صفات الله تعالى وصفات ملكوته وصفات اليوم الآخر إلا أمور مجملة وكذلك التوراة ليس فيها من ذكر اليوم الآخر إلا أمور مجملة مع أن موسى صلى الله عليه و سلم كان قد سهل الأمر للمسيح ومع هذا فقد قال لهم المسيح إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله ثم قال ولكن إذا جاء روح الحق فذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق وأنه يخبركم بكل ما يأتي ويجمع ما للرب فدل هذا على أن الفارقليط هو الذي بفعل هذا دون المسيح وكذلك كان فإن محمدا صلى الله عليه و سلم أرشد الناس إلى جميع الحق حتى أكمل الله به الدين واتم به النعمة ولهذا كان خاتم الأنبياء فإنه لم يبق نبي يأتي بعده غيره وأخبر محمدا صلى الله عليه و سلم بكل ما يأتي من أشراط الساعة والقيامة والحساب والصراط ووزن الأعمال والجنة وأنواع نعيمها والنار وأنواع عذابها ولهذا كان في القرآن تفصيل أمر الآخرة