8/5/1428هـ الضياء اللامع من الخطب الجوامع (2 / 100) الحمد لله الحكيم العليم العزيز الرحيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي خلق فأتقن وحكم فأحكم ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي كان بالمؤمنين رحيمًا وكان لحدود الله حافظًا مقيمًا ، وهاديًا قويمًا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا .
أما بعد ، أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى وتأملوا أحكامه وحدوده بعلم وإيمان تجدوها تابعة للحكمة والمصلحة في كل زمان ومكان ، فإن الذي وضع تلك الحدود هو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ، علم أن مصالح العباد لا تقوم إلا بها فشرعها وعلم أن بها درءًا للمفاسد فأمر بها وحتمها . فالحدود تمنع من الجرائم وتكفر ما اقترفه المجرم من المآثم ، انظروا إلى البلاد التي تقام فيها الحدود كيف يستتب فيها الأمن والاطمئنان ، وأما البلاد التي لا تقام فيها الحدود فتكثر فيها الجرائم والاعتداء والطغيان . فمن الأحكام التي شرعها الله تعالى قتل القاتل ، فإن القاتل المتعمد للقتل يقتل إذا تمت شروط القصاص [وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] لأن القاتل إذا علم أنه سيقتل فلن يقدم على القتل وبذلك تكون الحياة ، ثم إن القتل حق لأولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا القاتل وإن شاؤوا عَفَوا عنه مجانًا أو أخذوا الدية ، وعليهم أن يراعوا المصلحة في ذلك فيأخذوا بما هو أصلح من عفو أو دية أو قصاص . انظروا إلى السارق كيف يسرق ما يساوي ربع دينار فتقطع يده بذلك حفظًا للأموال عن الاعتداء عليها . فلله ما أعلى هذه الحكمة وأبلغها وأنسبها للمصالح ، تقطع اليد بربع دينار إذا سرقت حفظًا للأموال ، وتُضْمن إذا قطعت ظلما بخمسمائة دينار حفظًا للأبدان .