وإنما يعمل بالتأويل إن عضد أي إن قواه دليل آخر من الشرع موافق له وإلا فلا.
قال في التنقيح: المأول هو الاحتمال الخفي مع الظاهر مأخوذ من المآل إما لأنه يؤول إلى الظاهر بسبب الدليل العاضد له. وقال ابن الحاجب: التأويل من آل يؤول أي رجع، وفي الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح وإن أردت الصحيح زدت: بدليل يصيره راجحًا.
وفي الكتابِ قد أتتْ والسُّنَّهْ ... - ... لمْ يتخلَّفْ واحدٌ مِنْهُنَّهْ
يعني أن الأربعة المذكورة وهي النص والظاهر والمأول والمجمل قد أتت أي وردت في الكتاب والسنة لم يتخلف واحد منهنه أي من المذكورات الأربعة إلا ورد في الكتاب والسنة.
مثال النص: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة}
والظاهر نحو: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم، وهو في الظالم أظهر وأغلب. ونحو {ولا تقربوهن حتى يطهرن} أي بالماء فهو أظهر فيه من انقطاع الدم.
والمأول: نحو {وهو معكم أينما كنتم} أي بالعلم والرعي، إذ لا تصح المعية الخقيقية، وهي المصاحبة بالذات.
ومثال المجمل: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} يحتمل البناء للفاعل أي ولا يضارِر الكاتب والشهيد صاحب الحق بطلب أجرة في الكتابة والشهادة، ويحتمل ولا يضارَر بالفتح البناء للمفعول أي لا يضاررهما صاحب الحق بأن يلزمهما كتابة والشهادة أي تحملها من غير أجرة.
والأخذُ بالتأويلِ أمرٌ مُعْتبَرْ ... - ... لجُلِّ أهلِ العلمِ حكمُهُ اشتهَرْ
يعني أن الأخذ بالتأويل أي العمل به أمر معتبر عند جل أهل العلم، وحكمه مشهور بينهم.
وهْوَ قريبٌ في محلِّ النَّظَرِ ... - ... ومنه ذو بُعدٍ وذو تعَذُّر
(وهو) على ثلاثة أقسام منه (قريب في محل النظر) أي منه نوع قريب في محل النظر أي يدرك بأدنى تأمل وهذا يترجح بأدنى مرجح.
(ومنه ذو بعد) أي ومنه نوع بعيد لا يدرك إلا بعد تأمل وإعمال فكر، وهذا لا يترجح على الظاهر إلا بدليل أقوى منه. (و) منه (ذو تعذر) أي ومنه توع متعذر فيرد أي لا يترجح بشيء ولا يجوز اعتباره لأنه لعب وتهاون بالدين.
وهذا التقسيم للتأويل الذي مشى عليه الناظم للزركشي والمحلي تبعًا للعضد وعند البرماوي على قسمين فقط: قريب وبعيد؛ فالقريب كقوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية، فإن ظاهرها أن الأمر بالطهارة لا يكون إلا بعد القيام إلى الصلاة، وتأويلها أن المعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فيكون الأمر بالطهارة عند إرادة القيام للصلاة، وهذا التأويل قريب جدًا. ووجه قربه رجحانه بالتنظير بنحو قوله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} لأن الاستعاذة لا تكون إلا قبل القراءة عند إرادتها لا بعد القراءة.
بالأول العملُ باتِّفاقِ ... - ... ممَّن به قال على الإطلاق
يعني أن العمل بالتأويل القريب متفق عليه عند كل من قال بالتأويل من العلماء على الإطلاق.
وقِسْمُهُ الثاني كأمسِكْ أربعاَ ... - ... يُرادُ جَدِّدْ ودع المُتَّبَعاَ
يعني أن القسم الثاني من قسمي التأويل وهو البعيد كتأويل الحنفية لقوله - صلى الله عليه وسلم - لغيلان بن أمية وقد أسلم على عشر نسوة:"أمسك أربعًا وفارق سائرهن"على أن معناه: جدد نكاح أربع منهن إن كنت تزوجتهن معًا في عقد واحد وأمسك الأربع الأول ودع المتبع لهن إن كنت تزوجتهن مترتبات. ووجه بعده أن المخاطب بحمل التأويل وهو أمسك إلخ قريب عهد بالإسلام لم يسبق له بيان شرط النكاح مع حاجته إلى ذلك ولم ينقل تجديد نكاح منه ولا من غيره ممن أسلم على أكثر من أربع مع كثرتهم وتوفر دواعي حملة الشريعة على نقله لو وقع، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستفسر غيلان: هل تزوجهن دفعة أو مترتبات، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال، فلو لا أن الحكم يعم الحالين لما أطلق الجواب لامتناع الإطلاق في مقام التفصيل المحتاج إليه، أي فيجوز أن يمسك أربعًا منهن من غير تجديد عقد ولو كن الأواخر.
ومِثْلُهُ إطعامُ سِتِّينَ علَى ... - ... طعام معْ تعدادِ شخصٍ حُمِلاَ
يعني أن مثل تأويل الحنفية لحديث غيلان في البعد تأويلهم لقوله تعالى في الكفارة {فإطعام ستين مسكينًا} فإنهم حملوه على مضاف لإطعام أي فعليه إطعام طعام ستين مسكينًا أي ستين مدًا، لأن ظعام المسكين عادة مد.
وسبك معنى البيت: إن الحنفية حملوا قوله تعالى في الكفارة {فإطعام ستين مسكينًا} على تقدير طعام بعد إطعام أي فعليه إطعام أي إعطاء طعام ستين شحصًا مسكينًا وهو ستون مدًا، لأن طعام الشخص في العادة مد واحد، وعليه فيجوز عندهم إعطاء ستين مدًا لمسكين واحد في ستين يومًا لأن دفع حاجة المسكين الواحد في ستين يومًا كدفع حاجة ستين مسكينًا في يوم واحد.
فقوله: مع تعداد شخص على هذا معناه أنهم حملوا الآية على تقدير طعام بعد إطعام مع بقاء التعداد في المسكين الذي قدرت الكفارة بإعطاء قدر طعامه فيكون التأويل في تقدير طعام بعد