الوجوب وقرائن الندب، فإنه يكون للوجوب لا للندب، لأن الوجوب هو معناه الحقيقي عند الأكثر من المالكية وغيرهم، فيحمل عليه حتى يصرف عنه صارف.
والمراد بالأمر في البيت صيغة"افْعلْ"الواردة في كلام الشارع.
وقيل الأمر حقيقة في الندب لأنه المتيقن، وقيل إنه حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو مطلق الطلب، وبه قال الماتريدي.
حجة الأول قوله تعالى لإبليس {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك} ذمه على ترك السجود المأمور به في قوله تعالى {اسجدوا لآدم} ، والذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم. وقوله تعالى {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} ذمهم على ترك الركوع المأمور به، والذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم. وقوله تعالى {أفعصيت أمري} ، والعصيان هو ترك الواجب أو فعل محرم. وقوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ، والتهديد دليل الوجوب.
وحجة الندب: ان الأمر تارة يرد للوجوب كما في الصلوات الخمس، وتارة للندب كما في صلاة الضحى، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فجعل حقيقة في رجحان الفعل وجواز الترك الذي هو الندب، لأنه الأصل من جهة براءة الذمة. وهذا بعينه هو حجة من قال إن الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب، قاله في شرح التنقيح.
وَهْوَ إِنِ احْتَفَّتْ بِهِ قَرِيْنَهْ ... - ... فَمُقْتَضَاهَا مُقْتَضٍ تَعْيِيْنَهْ
يعني أن الأمر إذا احتفت به قرينة للوجوب أو الندب أو الإباحة فإن مقتضى تلك القرينة أي مدلولها مقتض تعيينه أي دال على تعيين الأمر أي تعيين مدلوله، فإن كانت القرينة المحتفة به قرينة وجوب عينته للوجوب أو قرينة ندب عينته للندب أو قرينة إباحة عينته للإباحة.
فالأمر المصاحب لقرينة الوجوب كقوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ، فقرينة كونه للوجوب قوله تعالى {ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فقد أوجب القضاء على من لم يصمه لعذر من مرض أو سفر، ووجوب القضاء دليل تحريم الترك، وذلك يستلزم وجوب الفعل.
والأمر المصاحب لقرينة الندب كقوله تعالى {والذين يبتغون الكتاب من ما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا} فقرينة مونه للندب أن الكتابة معاوضة، والمعاوضة غير واجبة .. مع ما في الكتابة من شائبة التبرع، إذ ليست معاوضة حقيقة، لأنها بيع الإنسان مال نفسه بمال نفسه، وليست تطوعًا محضًا، لما فيها من اشتراط المال وتعيين قدره وأجله، ولزومها بالعقد