فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 306

كسائر المعاوضات، فلذا كانت للندب إعمالًا للشائبتين أي شائبة التبرع، وشائبة المعاوضة، إذ لو أعملت شائبة المعاوضة فقط لكانت مباحة، ولو أعملت شائبة الأمر بالعتق لكانت واجبة.

والأمر المصاحب لقرينة الإباحة كقوله تعالى {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} ، فإن الانتشار في الأرض مباح فقط إجماعًا، وإنما لم يكن واجبًا ولا مندوبا، لأنه ليست فيه شائبة التقرب إلى الله، وإنما فيه استراحة النفس وتفرجها، ولأنه وارد بعد التحريم المعلق على سبب هو النداء للصلاة. وكذا قوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} .

وَلَيْسَ لِلْفَوْرِ وَلاَ التَّكْرَارِ ... - ... وَالنَّهْيِ عَنْ ضِدٍّ عَلَى الْمُخْتَارِ

يعني أن الأمر أي صيغة"افعل"ليست للفور أي لا تقتضيه على المختار عند المغاربة من المالكية، وعند الشافعية، خلافًا لأكثر المالكية والحنفية فإنه للفور عندهم .. سواء كان للوجوب أو الندب على الصحيح. قال القاضي: لكن بعد سماع الخطاب وفهمه؛ وأما المغاربة والشافعية فإن الأمر عندهم يدل على التراخي، فقيل مطلقًا، وقيل بشرط السلامة، فإن مات قبل الفعل أثم، وقيل لا يأثم إلا أن يظن موته، إلا أنهم متفقون مع القائلين بأنه للفور على أن من بادر إلى فعل المأمور به قبل آخر وقته أنه ممتثل خارج من عهدة الأمر، وقيل إنه ليس بممتثل وهو خلاف الإجماع.

والراجح: أنه حقيقة في القدر المشترك بين الفور والتراخي، وهو طلب الماهية من غير تعرض لوقت من فور أو تراخٍ، وقيل إنه مشترك بينهما أي حقيقة في كل منهما، وقيل لواحد من الفور أو العزم. قال حلولو: فالعزم بدل من التقديم.

قوله: (ولا التكرار) يعني أن الأمر أي صيغة افعلْ لا تفيد التكرار على المختار عند مالك وأكثر الحنفية والشافعية، بل هو للمرة، لأنها هي المتيقن، وقال بعضهم: إنه لمطلق الماهية لا لتكرار ولا مرة، وعليه المحققون واختاره ابن الحاجب. وقال بعضهم: إنه للتكرار واستقرأه ابن القصار من كلام مالك. حجة التكرار أنه لو لم يكن له لامتنع ورود النسخ له بعد الفعل، قاله القرافي. وعلى القول بأنه للتكرار فإنه يكون للفور اتفاقًا.

قوله: (والنهي عن ضد) يعني أن الأمر النفسي بشيء معين ووقته مضيق ليس هو عين النهي عن ضده ولا يتضمنه على المختار أمر وجوب كان أو ندب، وهو قول إمام الحرمين والأبياري والغزالي. وقيل إنه هو عين النهي عن ضده وهو قول الأشعري والقاضي وجمهور المتكلمين وفحول النظار، فالنهي عن الضد في الواجب يكون على وجه التحريم، وفي الندب على وجه الكراهة. وبيان ذلك أن الطلب واحد هو بالنسبة إلى المأمور به أمر، وبالنسبة إلى ضده نهي، وقيل إنه يستلزم عقلًا النهي عن الموجود من أضداده، وإليه ذهب أكثر أصحاب مالك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت