والمحسوس ولأن دلالة القول متفق عليها ودلالة الفعل مختلف فيها، والعمل بالمتفق عليه أولى. ومنهم من يرجح الفعل لأنه أقوى في البيان لأنه يبين به القول. ومنهم من توقف من غير ترجيح واحد منهما.
وحيث كان القول المعارض للفعل خاصا به - صلى الله عليه وسلم - فلا تعارض بينهما في حقنا ولو دل الدليل على تأسينا به - صلى الله عليه وسلم - في الفعل، وحيث كان القول خاصا بنا فالتعارض بينه مع الفعل في حقنا دونه - صلى الله عليه وسلم - حيث دل الدليل على تأسينا به - صلى الله عليه وسلم - في الفعل.
لَكِنْ مَعَ التَّحْقِيْقِ لِلتَّارِيخِ ... - ... يُعَدُّ أَوَّلٌ مِنَ الْمَنْسُوْخِ
أي لكن إذا حقق التاريخ في الفعل والقول المتعارضين فإن الأول منهما يعد من المنسوخ والناسخ الأخير منهما إذا كان مدلول القول متكررًا بأن دل دليل على تكرره.
وَإِنْ رَأَى الرَّسُوْلُ فِعْلًا أَوْ سَمِعْ ... - ... قَوْلًا وَلَمْ يُنْكِرْ فَذَا مِمَّا اتُّبِعْ ...
إِنْ كَانَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ عَادَهْ ... - ... وَإِنْ يَكُنْ يَخْفَى فَلاَ إِفَادَهْ
يعني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى فعلا أو سمع قولا من أحد ولم ينكره عليه وهو قادر على على إنكاره والفاعل أوالقائل مؤمن لا يغريه الإنكار فإن ذلك الفعل أو القول مما اتبع أي مما يجوز اتباعه للفاعل أو القائل وغيره على الصحيح سواء استبشر - صلى الله عليه وسلم - في حال سكوته عليه أم لم يستبشر، وهذا إذا كان ذلك الفعل أو القول لا يخفى عليه - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان يخفى عليه عادة فلا إفادة في سكوته عنه للجواز أي فلا يفيد سكوته عنه الجواز على الأصح.
قال في الهيث الهامع: واختلف فيما إذا فعل فعل بحضرته - صلى الله عليه وسلم - أو في عصره واطلع عليه ولم ينكره على مذاهب أصحها وبه قال الجمهور أنه دليل على جواز ذلك الفعل لذلك الفاعل، وهل تتعين الإباحة أو يحتمل الوجوب والندب أيضا لم يستحضر فيه السبكي نقلا ومال إلى الإباحة. ولا فرق في دلالة تقريره على الإباحة بين أن يستبشر عليه الصلاة والسلام بذلك الفعل أم لا. الثاني: أن التقرير لا يدل على الجواز إلا في حق من لا يغريه الإنكار. الثالث: أنه يستثنى من التقرير ما لو كان الفاعل كافرا أو منافقا فلا يدل تقريره على الإباحة وبه قال إمام الحرمين. الرابع: أنه لا يستثنى من ذلك إلا الكافر قاله المازري وكما يدل على جوازه للفاعل يدل على جوازه لغيره قاله الجمهور لأن الأصل استواء المكلفين في الأحكام، وقال القاضي أبو بكر لا يتعداه إلى غيره فإن التقرير لا صيغة له حتى يعم، أما ما فعل في عصره ولم يعلم هل اطلع عليه أم لا فقال الأستاذ أبو إسحاق: اختلف فيه قول الشافعي ولهذا جرى له قولان في إجزاء الأقط في زكاة الفطر.