فقال - صلى الله عليه وسلم: إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس، فذكر ذلك للحسن فقال لولا ذلك ما حدثنا. ولا يقال إن هذا الحديث لا يدل على جواز نقل الحديث بالمعنى للقادر على تأدية ما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه جواب لسائل عاجز عن ذلك لأنا نقول تعميم الخطاب في قوله إذا لم تحلوا إلى آخره مع أن السائل واحد، وعدم التقييد بالحالة المسئول عنها في الجواب وإطلاق قوله: فلا"بأس"قرينة على الجواز مطلقا.
وقيل إن نقل الحديث بالمعنى لا يجوز، نقله المازري عن مالك، حتى ذكر ابن الحاجب عنه أنه كان يشدد النكير على من أبدل الباء بالتاء في بالله وتالله، وروي المنع عن ابن عمر رضي الله عنهما لقوله - صلى الله عليه وسلم:"نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها إلخ، فهذا يقتضي أنه يجب نقل مثل ما سمعه لا خلافه، فيمنع نقل الحديث بالمعنى مطلقا. وقيل إنما يمنع نقل المتشابه بالمعنى بخلاف ظاهر المعنى فلا يمنع نقله بالمعنى. وفصل القاضي عبد الوهاب فقال يمنع النقل بالمعنى في الأحاديث القصار لسهولة نقلها بلفظها."
وأما نقل الحديث بمرادفه فيجوز اتفاقا كما قال الأبياري إذا بقي تركيب الكلام على حاله. وحكى بعض الأصوليين منع نقل الحديث بمرادفه مطلقا بقي التركيب أم لا. وأما إذا غير التركيب فلا يجوز نقله بالمرادف عند القائلين به إذ قد لا يوفي بالمقصود كما إذا قدم الفعل على فاعله وقد كان مؤخرًا أو بالعكس لتفاوت المعنى بتقديم الفعل وتأخيره إذ الثاني يفيد تقوية الحكم والأول يفوتها والجملة في الثاني اسمية تفيد الدوام والثبوت وفي الأول فعلية تفيد التجرد والانقطاع.
تنبيه:
قال في نشر البنود محل الخلاف في غير ما تعبد بلفظه، وأما هو فلا يجوز نقله بالمعنى قطعا كالأذان والتشهد وكذا ما كان من الحديث من جوامع الكلم نجو: الخراج بالضمان، والبينة على المدّعي واليمين على من أنكر.
قلت: ومحل الخلاف أيضا في الرواية وأما الترجمة للتعليم والإفتاء فيجوز للمترجم إبدال لفظ الحديث بما يرادفه من العجمية إذا كان التبليغ للعجم أو العربية إذا كان التبليغ لتفاقا. ...
وَبِالْجَوَازِ حَذْفُ بَعْضِ الْخَبَرِ ... - ... في غَيْرِ غَايَةٍ وَمُسْتَثْنًى حَرِي
يعني أن حذف بعض الخبر في غير غاية ومستثنى حر أي حقيق بالجواز. وأما الغاية والمستثنى فلا يجوز حذفهما من الخبر. قال ابن الحاجب في المختصر: حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا في الغاية والاستثناء ونحوه، نحو: حتى تزهي وإلا سواء بسواء فإنه ممتنع.
وإنما منع حذف الغاية والمستثنى لتعلقهما بما قبلهما تعلقا يوجب فساد المعنى إذا حذفا.