فإنه لا استقرار أي لا يسمى إجماعا شرعيا لأن الأدلة إنما شهدت بعصمة مجموع بعصمة مجموع الأمة وهو ليس بحاصل، وقال ابن خويزمنداد لا يضر في انعقاد الإجماع خروج الاثنين عنه دون من كثر عليهما لأن اسم الأمة لا ينخرم بخروج اثنين ولقوله - صلى الله عليه وسلم:"عليكم بالسواد الأعظم". وأجيب بأن اسم الأمة لا يطلق على بعضها إلا مجازا، وبأن الحديث لا يفيد إلا غلبة الظن بحصول العصمة للسواد الأعظم، والمقصود القطع بحصولها.
وَحَدُّهُ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ ... - ... في زَمَنٍ عَلَى اتِّبَاعِ حُكْمِ
يعني أن حد الإجماع أي تعريفه هو اتفاق أهل العلم أي جميع أهل العلم المجتهدين بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمن أي في عصر على اتباع حكم شرعي.
وَعَنْ دَلِيلٍ أَوْ قِيَاسٍ يَنْعَقِدْ ... - ... وَعَنْ أَمَارَةٍ وَكُلٌّ اعْتُمِدْ
يعني أن الإجماع ينعقد عن الدليل وعن القياس وعن الأمارة، وكل واحد من هذه الثلاثة يعتمد في استناد الإجماع إليه. والمراد بالدليل ما أفاد القطع، وبالقياس القياس الشرعي بجميع أنواعه، والمراد بالأمارة خبر الواحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال قوم يجوز انعقاده بلا مستند أصلا وأي شيء أفتى به جميع الأمة كان حقا، وأن الله جعل لهم ذلك وأنهم ينطقون بالصواب ولا يجري الله على ألسنتهم إلا إياه، وهذا أمر جائز عقلا غير أنه لا يدل له دليل سمعي، وقيل دليله السمعي قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تجتمع أمتي على خطأ". والصحيح أنه لابد له من مستند شرعي وأن الاجتماع بغير مستند شرعي اتباع للهوى، واتباع الهوى خطأ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِيْهِ بَادِ ... - ... إِذَا أَتَى عَنْ خَبَرِ الآحَادِ
يعني أن الخلاف بين العلماء باد أي ظاهر في الإجماع النطقي إذا أتى عن خبر الآحاد أي إذا أتى منقولا بالآحاد هل هو حجة أو لا، والصحيح أنه حجة خلافا للأكثر. قال في الضياء اللامع: الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة على الصحيح، وممن صححه الإمام وابن الحاجب والآمدي، وذكر ولي الدين عن الإمام الفخر أنه حكي عن الأكثر أنه غير حجة.
وَلَيْسَ مَقْصُوْرًا عَلَى الصَّحَابَهْ ... - ... وَالظَّاهِرِيُّ جَاعِلٌ ذَا دَابَهْ
يعني أن الإجماع ليس مقصورًا على الصحابة بل ينعقد ممن بعدهم ويكون حجة وبه قال الجمهور، وداوود الظاهري جاعل ذا دأبه أي جاعل دأب الإجماع أي عادته أنه مقصور على الصحابة وأنه لا يصح ممن بعدهم. قال ولي الدين العراقي في الغيث الهامع: قال ابن حزم ذهب داوود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه لأن