ذلك محرمة.
وتظهر فائدة الخلاف عند تعارض الأدلة الشرعية أو عند عدمها بعد ورود الشرع قاله القرافي ونحوه للمازري؛ فعلى قول الأصبهاني يكون الحكم في الشيء الذي تعارضت فيه الأدلة بعد ورود الشرع أو عدمت فيه أي لم يرد فيه دليل شرعي بمنع ولا إباحة هو الإباحة، وعلى قول الأبهري يكون حكمه المنع.
قال حلولو في الضياء اللامع ما نصه: قال المازري في التعليقة المنسوبة إليه: الخلاف في أكل التراب جار على الخلاف في الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع، والأقرب إجراء ذلك على حكم الأشياء بعد ورود الشرع.
وفصل بعض الفقهاء في الشيء الذي تعارضت فيه الأدلة أو عدمت بعد ورود الشرع فقال إن كان ذلك الشيء مضراًّ فهو منهي عنه كراهةً أو تحريمًا على قدر مرتبته في المضرَّة كأكل التراب وشرب تبغة وشمها لقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار"أي في ديننا، وإن كان نافعًا كأكل فاكهة لمجرد التشهي والتفكه فهو مأذون فيه ندبًا أو وجوبًا على قدر مرتبته في النفع لقوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} ولا يمتن إلا في جائز فيه نفع.
قلت: فظهر من هذا أن مرتبة تبغة والشم في المضرّة الكراهة لأن ضررهما خفيف جداًّ، وظهر أيضًا أن مضغ القوز لمجرد التشهي جائز، وإنما يحرم الإسراف فيه، وأما إذا كان يشتري بما يشتري العلك والنبق فجائز شراؤه وأكله لمجرد التشهي لأنه داخل تحت عموم الآية ولا ضرر فيه.
قال في ضياء التأويل واستدل بهذه الآية على أن الأشياء بعد البعثة الإباحة إلا لدليل الحظر. ولم أر من تكلم على حكم الشيء الذي عدمت فيه الأدلة أو تعارضت إذا لم تكن فيه مضرة ولا منفعة ولعل ذلك لعدم وجوده.
وقوله (وفاسد كغير هذي النية) يعني أن القول المماثل لغير هذه النية فاسد وهو قول المعتزلة بأن العقل محكم في الأشياء قبل ورود الشرع لاعتقادهم ربط الأحكام بالمصالح والمفاسد، فما قضى به العقل في شيء منها ضروري كالتنفس في الهواء أو اختياري لخصوصه بأن أدرك فيه مصلحة أو مفسدة أو انتفاءهما فأمر قضائه فيه ظاهر، وهو أن الضروري مقطوع بإباحته؛ والاختياري لخصوصه ينقسم إلى الأقسام الخمسة الحرام وغيره، لأنه إن اشتمل على مفسدة في فعله فحرام كالظلم، أو تركه فواجب كالعدل، أو على مصلحة في فعله فمندوب كالإحسان، أو في تركه فمكروه. وإن لم يشتمل على مصلحة ولا مفسدة فمباح. قاله المحلي.