يعني أنه يشترط فيه أن يحفظ الفروع الشرعية التي استنبط الفقهاء قبله فإنها هي لب المطلب أي هي المطلوب بالاجتهاد والنظر في أقوال الشارع وأفعاله؛ وهذا الشرط الأخير خاص بمجتهد المذهب والفتوى.
فليَعْتَمِدْ لأهلِها ما فصَّلوا ... - ... وفرَّعوا في كُتْبِهِمْ وأصَّلوا
يعني أنه يشترط في مجتهد المذهب والفتوى أن يعرف فروع مذهب إمامه، ويعتمد لأهلها ما فصلوه وفرعوه منها في كتبهم وما أصلوه فيها أي ما جعلوه أصلًا لغيره أي خرجوا عليه غيره؛ ومعنى اعتماده لما ذكر أن يقلدهم فيه، ولذا قال:
فليقتفي آثارَهُم مُصَحِّحَا ... - ... وينتقي أقوالَهُم مُرَجِّحَا
يعني أن المجتهد في المذهب والفتوى يجب عليه أن يقتفي أي يتبع آراء المجتهدين المستنبطين الفروع قبله حال كونه مصححا لها أي مبينًا الصحيح منها الجاري على أصول إمامه من غيره وينتقي أي يختار بعض أقوالهم على بعض حال كونه مرجحا له على غيره.
قلت: وظاهر النظم أن حفظ الفروع واعتماد تفصيل أهلها لها وتفريعهم وتأصيلهم واقتفاء آرائهم واختيار بعضها على بعض من أوصاف المجتهد المطلق وشروطه وليس كذلك، بل ذلك إنما هو من أوصاف مجتهد المذهب والفتوى وشروطه كما بينا؛
لأن المجتهد المطلق: هو الذي له النظر المطلق في أقوال الشارع وأفعاله، ومعنى كونه مطلقًا أنه غير متقيد بأصول إمام معين كالإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والأوزاعي وسفيان بن عيينة والثوري والزهري والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة ومجاهد ومقاتل بن سليمان. ووظيفته القياس التمثيلي وهو إلحاق معلوم بمعلوم لمساواته له في علّة الحكم، فيلحق المسكوت عنه بالمنطوق به في الكتاب والسنة بجامع العلّة، ومن وظيفته التأويل وهو حمل اللفظ على معناه المرجوح أي الضعيف لدليل شرعي اقتضى ذلك، ومنها النسخ بالتاريخ بين الدليلين المتعارضين فيحكم بأن الأخير ناسخ، ومنها الاستدلال بعمل أهل المدينة من الصحابة والتابعين وعمل الصحابة وأقوالهم وأفعالهم وتقديم عمل الراوي على مرويه وإجماع أهل الكوفة وإجماع الخلفاء الأربعة، والمصالح المرسلة والاستحسان وتحكيم العرف في الفروع التي أحالها الشرع عليه، وإزالة الضرر وارتكاب الأخف من الضررين المتعارضين، وسد الذرائع إلى المحرمات.
ومجتهد المذهب: هو الذي حوى أصول إمام معين وقلده فيها، وهو الذي يشترط فيه أن يعتمد ما فصّله إمامه وأتباعه وما فرّعوه على أصوله قبله، ويتبعهم في ذلك، ووظيفته تخريج غير المنصوص لإمامه على المنصوص له بجامع العلة؛ فإذا نزلت نازلة ولم يجد فيها نصًا عن