بما زاد على ذلك تكليف بما لا يطاق وهو منفي في الشريعة، وإن قلنا بجوازه.
وحجة الجمهور أن أصول الدين أهم من فروعه فلذلك شرع فيها الإكراه دون الفروع، فلذلك كلف الله فيها عباده بما لا يطاق الذي هو الإصابة في الاجتهاد.
قال في الغيث الهامع: المصيب في العقليات واحد كما نقل الآمدي وغيره الإجماع عليه، ومن لم يصادف الحكم فهو آثم وإن بالغ في النظر سواء كان مدركه عقليًا كحدوث العالم وخلق الأفعال أو شرعيًا كعذاب القبر؛ أما بغاة الإسلام كاليهود والنصارى فهم مخطئون آثمون كافرون، ولا عبرة بمخالفة عمرو بن بحر الحاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري، فإنما قالا إن المجتهد في العقليات لا يأثم فمنهم من أطلق ذلك عنهما، ومنهم من قيده عنهما فقال بشرط الإسلام وهو أليق بهما. وقال القاضي في مختصر التقريب إنه أشهر الروايتين عن العنبري؛ وقال ابن قتيبة سئل عن أهل العذر وأهل الإجبار فقال كل مصيب، فهؤلاء قوم عظموا الله وهؤلاء قوم نزهوا الله. وقال الكياالهراسي ذهب العنبري إلى أن المصيب في العقليات واحد ولكن ما تعلق بتصديق الرسل وإثبات حدوث العالم فالمخطئ فيه غير معذور، وأما ما تعلق بالعذر والجبر وإثبات الجهة ونفيها فالمخطئ فيه معذور ولو كان مبطلًا في اعتقاده بعد الموافقة في تصديق الرسل والتزام الملة. ...
وفي الفروعِ فالضَّروريَّاتُ ... - ... مُجْتَهِدٌ فيها له افْتياتُ
وإنَّهُ لَمُخْطِئٌ إجماعَا ... - ... مُكَفَّرٌ إذْ خالفَ الإجماعَا
يعني أن الاجتهاد في فروع الدين على ثلاثة أقسام، لأن الفروع إما ضرورية أي معلومة من الدين بالضرورة كإيجاب الصلاة والزكاة والحج والصوم، أو غير ضرورية وهي على قسمين: إما أن تكون من مسائل الإجماع المشهورة في جميع البلاد والأقطار كتحريم بيع أمهات الأولاد وإما أن تكون من مسائل الخلاف.
فالمجتهد في الضروريات إذا أداه اجتهاده إلى خلاف ما ثبت فيها مفتات أي متعد على الشريعة وإنه لمخطئ الصواب إجماعًا ومكفر بسبب اجتهاده ذلك لأجل أنه خالف الإجماع لانعقاده على خلاف ما أداه إليه اجتهاده.
وإلى القسم الثاني وهو المسائل المشهورة المجمع عليها أشار الناظم بقوله:
وبعضُ ما لَمْ ندْرِهِ ضرورهْ ... - ... وهْو مِنَ المسائلِ المشهورهْ
قد أجمعوا عليه في الأمصارِ ... - ... في سائرِ البِلادِ والأقطار
فالمُتصدِّي لاجتهادٍ مُخْطِئُ ... - ... مُفَسَّقٌ بِمِثْلِهِ لا يُعبأُ