يعني أن بعض الأحكام التي لم تعلم بالضرورة بل بالنظر ولكنها من المسائل المشهورة المجمع عليها في الأمصار في جميع البلاد والأقطار كتحريم بيع أمهات الأولاد ونكاح المتعة فالمتصدي أي للاجتهاد فيها مخطئ مفسق لا بعبأ بمثله في الشريعة؛ ثم أشار إلى القسم الثالث وهو الفروع المختلف فيها بقوله:
وسائرُ الفروعِ وهْوَ ما اخْتُلِفْ ... - ... فيه والاجتهاد فيها قد أُلِفْ
يعني أن الباقي من الفروع وهو المختلف فيه، والاجتهاد فيه قد ألف أي اعتيد في الشريعة لأنها محل الاجتهاد.
قيل مصيبُ الحقِّ فيها واحِدُ ... - ... وقيلَ بلْ كلٌّ مصيبٌ واجِدُ
أي قيل إن مصيب الحق أي المصادف لحكم الله فيها من المجتهدين واحد غير معين، وقيل بل كل من المجتهدين مصيب أي موافق لحكم الله في نفس الأمر وواجد له.
للشَّافعيِّ الخُلفُ والنُّعمانِ ... - ... ومالِكٌ عنه رُوِيْ القولان
يعني أن هذا الخلاف معزو للشافعي وأبي حنيفة النعمان؛ فالشافعي قائل بأن المصيب واحد غير معين، وأبو حنيفة قائل بأن كل مجتهد مصيب وإن حكم الله تابع لظن المجتهد، وروي عن مالك القولان والأرجح عنده أن المصيب واحد وهو مذهب الجمهور. ...
وباتِّفاقٍ مُخْطئٌ لن يأثَمَا ... - ... إنْ يَجْتَهِدْ وإن يُقَصِّرْ أَثِمَا
يعني أن المخطئ للحكم الظني من المجتهدين لا يأثم باتفاق إن اجتهد أي إن بذل وسعه في النظر ولم يقصر في ذلك، وإن قصر في ذلك أثم خلافًا للمريسي القائل إنه يأثم وإن بذل وسعه.
وحيثُما التصويبُ رأيًا اعتُمِدْ ... - ... فالحُكْمُ تابِعٌ لظَنِّ المُجْتَهِدْ
أي وحيث اعتمد القول بالتصويب أي بأن كل مجتهد في الفروع الظنية مصيب في الحكم تابع فيها لظن المجتهد يعني أنه مبني على أن حكم الله في المسألة تابع لظن المجتهد، وهو قول الشيخ والقاضي؛ وقال أبو يوسف ومحمد وابن شريح إنه مبني على أن في المسألة ما لو حكم الله فيها لكان حاكمًا به، ومن ثم يقولون أصاب اجتهادًا لا حكمًا أي أصاب في أصل الاجتهاد وأخطأ في الحكم.
والعكسُ قيلَ لا دليلَ فيهِ ... - ... وقيلَ بلْ أمَارَةٌ تُبْديه
أي والقول بالعكس وهو أن المصيب واحد وأن لله تعالى حكمًا في المسألة ثابتًا قبل الاجتهاد قيل إن ذلك لا دليل عليه أي لا أمارة يستدل بها المجتهد عليه وإنه كدفين يصاب؛ وقال الأستاذ: إن دليله ظني فمن ظفر به فهو مصيب، وهو معنى قوله (وقيل بل عليه أمارة تبديه) أي تظهره