وبيان أوجه الترجيح بين الأدلة الشرعية عند تعارضها، وشروط المجتهد المطلق، ومجتهد المذهب والفتوى، وحقيقة التقليد، وما يجوز فيه، وما يجب على المقلد اهـ.
وتحرير الشريعة وضبطها لا يمكن ولا يتأتى بدون معرفة هذا كله، لأن الفروع إنما هي أمثلة، وحقيقة الشرع أصوله؛ لأنها هي التي كانت موجودة قبل وجود الفروع؛ والفروع مستنبطة منها بالنظر والاجتهاد؛ فالمقتصر على نقل الفروع عامي لا حظ له من العلم والفقه. وإنما هو ناقل لفقه غيره، فإذا ردَّ ما معه من الفروع إلى مستنبطيها من الأصول لم يبق معه شيء من العلم، إذ ليست معه فروع استخرجها هو من الأصول، وليست عنده الأصول حتى يكون متمكنا من استخراج الفروع منها فيكون عالمًا حكمًا لصلاحيته لاستنباط الفروع من الأصول لو نظر واجتهد. فهو بمنزلة مَن عَلِمَ بالنقل أن زيدًا من قولك قام زيد فاعل مع جهله بقاعدة أن كل فاعل مرفوع، فلا فائدة له في معرفة تلك الجزئية من الفاعلين.
وقد تنوسي هذا العلم وأعرض عنه الناس الإعراض التام في بلادنا هذه حتى صار قفرًا موحشًا لا هادي فيه ولا مهتدي، وتوغل الناس في الجهل حتى إن المنتسبين للعلم في بلادنا هذه ليظنون أن الفروع المدونة في الكتب كلها أحكام الله التي نزلت من عنده في الكتاب والسنة، ولا يميزون بين المنصوص والمستنبط، وإنما يعتقدون أنها كلها مستوية في القوة نزلت من عند الله هكذا، وأنها كلّها يقينية؛ وقد بلغني عن بعضهم أنه يطعن في علم أصول الفقه، ويقول أنه مستغنى عنه، وأن المشتغل به ساعٍ فيما لا طائل تحته؛ وأن فروع الشريعة قد دونت وتمت، فلا تزداد ولا تنقص، وبلغني أنه يزعم مع هذا كله أنه يعلمه، وهذا لعمري إن صح عنه هو عين الجهل المركب الذي لا يرجى لصاحبه رجوع ولا توبة؛
أولا يدري الجاهل أن الوقائع الفعلية كالمخلوقات الحسية يتجدد في كل زمن منها ما لم يقع في الوجود قط، فأحرى أن يتكلم فيه مجتهد بحكم يخصه. فلولا أصول الشريعة لم يعلم للنوازل المتجددة حكم، لأن أحكامها إنما تستنبط من الأصول والاجتهاد؛ ففروع الشريعة تزداد في كل حين على حسب تجدد الوقائع الفعلية وتنقص أيضا بحسب سقوط ما بنيت عليه من الأصول. لأن من الأصول ما يختص بزمان دون زمان، وبلد دون بلد كالمصالح المرسلة، والعوائد ونحو ذلك؛ وإذا سقط الأصل سقط الفرع من باب أحرى.
فلذا تحركت همتي وانصرفت كلها إليه، وأعملت فكري ونظري في تحريره وضبطه وتبيينه وتقريره، فشرعت أجوِّده للناس بضبط كلياته وتطبيقها على جزئياتها، وإيضاح المجمل منها، وإزالة المشكل، وبيان معنى اللفظ المبهم، رجاء أن أكون ممن أحيا سُنَّةً أميتت من سنن