المآل، لأن الدنيا ليست مقصودة لذاتها بل لتكون مطية الآخرة لأنها توطية وتمهيد لها لا دار حقيقية.
قوله: (لا جهة الأهواء والعادات) يعني أن الحكم التكليفي المستجلب لمصلحة دنوية إنما شرع لها من جهة أنها تتضمن مصلحة أخروية لا من جهة أن تلك المصلحة الدنيوية موافقة للهوى وحكم العادة. قال الله تعالى {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن}
وكم دليلٍ للعقولِ واضحِ ... - ... على التفات الشرعِ للمصالِح
ممَّا أتى في مُحكمِ التنزيلِ ... - ... في معرِضِ المِنَّةِ والتَّعليل
يعني أن الأدلة الشرعية الدالة على أن الشرع ملتفت إلى مصالح العباد في الدنيا والآخرة أي مبني عليها كثيرة، وتلك الأدلة مما أتى في محكم التنزيل أي في القرآن العظيم في معرض المنة أي امتنان الله على عبيده، والتعليل أي تعليله تعالى لأحكامه التي كلفهم بها.
كقولِهِ جلَّ يُريدُ اللَّهُ ... - ... غالِبُهُ ذلك مُقتضاهُ
(كقوله) عزّ و (جلَّ) في تعليل الترخيص للمريض والمسافر في الإفطار في رمضان (يريد الله) بكم اليسر ولا يريد بكم العسر بعد قوله {فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر} يعني أن علة الترخيص للمريض والمسافر في الإفطار في رمضان إرادة الله اليسر وعدم إرادته العسر بعباده.
(غالبه ذلك مقتضاه) يعني أن غالب التكليف أي الأكثر من الأحكام التكليفية مقتضاه ذلك أي التعليل بالمصالح. قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي في قواعده: وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا لما استقرينا منها أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي القائل أن أحكامه تعالى ليست بمعلَّلة ألبتة، كما أن أفعاله كذلك قائلا خلافا للمعتزلة وأكثر الفقهاء المتأخرين القائلين أن أحكامه تعالى معلّلة برعاية مصالح العباد، وقد قال تعالى {رسلًا مبشرين ومنذرين ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} .
والمصالح المستجلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ودرء مفاسدها العادية {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} .
وأما التعليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن يؤتى على آخره كقوله تعالى