واعلم أن تعارض الجرح والتعديل يقع في الأصل بين قول ناقد وناقد غيره لكنه أيضًا ربما يقع في النقل عن الناقد نفسه ، فيأتي عنه التعديل والجرح جميعًا ، وبالنظر إلى ذلك فهاتان صورتان:
الصورة الأولى: تعارض الرواية في الجرح والتعديل عن الناقد المعين:
ومن أكثر من نقل عنه مثل هذا من الأئمة يحيى بن معين ، فإنه كثيرًا ما تختلف الرواية عنه .
كقوله في ( الحسن بن يحيى الخشني ) :"ثقة"في رواية ابن أبي مريم عنه ، و"ليس بشيء"في رواية الدوري عنه [1] .
وقوله في ( قَزعة بن سُويد ) :"ثقة"في رواية الدارمي عنه ، و"ضعيف"في رواية الدوري عنه ، و"ضعيف الحديث"في رواية أحمد بن أبي يحيى المجروح عنه [2] .
قال الذهبي في سبب اختلاف النقل عن يحيى بن معين:"سأله عن الرجال عباس الدوري ، وعثمان الدارمي ، وأبو حاتم ، وطائفة ، وأجاب كل واحد منهم بحسب اجتهاده ، ومن ثم اختلفت آراؤه وعبارته في بعض الرجال ، كما اختلفت اجتهادات الفقهاء المجتهدين ، وصارت لهم في المسألة أقوال" [3] .
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي:"قد يخطر على قلب المسؤول عن الرجل من حاله في الحديث وقتًا ما ينكره قلبه ، فيخرج جوابه على حسب النكرة التي في قلبه ، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر ، فيجيب على ما يعرفه في الوقت منه ويذكره ، وليس ذلك تناقضًا ولا إحالة ، ولكنه قول صدر عن حالين مختلفين ، يعرض أحدهما في وقت والآخر في غيره" [4] .
قلت: وفي هذه الحال لا بدَّ من النظر في قول غيره ومقارنته بقوله ، لنعرف أيَّ القولين أراد ، أو آل إليه هو .
هذا إذا صحت هذه الأقوال جميعًا عنه ، ولم نعرف الناسخ من المنسوخ.
(1) - الكامل ( 3 / 168 ) .
(2) - الكامل ( 7 / 176 ) .
(3) - ذكر من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل ( ص: 172 ) .
(4) - حكاه المنذري في"جوابه عن أسئلة في الجرح والتعديل" ( ص: 89 ) .