قلت: وابن حجر مسبوق إلى اعتبار هذا المعنى ، فحين قال الجوزجاني في"سعيد بن كثير بن عفير":"فيه غير لون من البدع ، وكان مخلطًا غير ثقة" [1] ، تعقبه ابن عدي بقوله:"هذا الذي قال: فيه غير لون من البدع ، فلم ينسب ابن عفير المصري إلى بدع ، والذي ذكر أنه غير ثقة ، فلم ينسبه أحد إلى الكذب" [2] .
قلت: فدلَّ هذا على أن ابن عدي من قبل كان يحملها عنهم على الضعف الشديد الذي يبلغ بالراوي حدَّ الكذب ، وذلك فيما يبدو من خلال ما وجده عنهم في أكثر استعمالهم كما ذكرت أولًا .
ـــــــــــــــــ
جرح بليغ ، مفسِّر في لفظه ، ظاهر في أنه من جهة حديث الراوي وما أتى به من المنكرات التي غلبت عليه ، فاستحق بذلك هذا الوصف .
وتقدم في ( تفسير الجرح ) وفي ( المبحث الأول ) من هذا الفصل ما بينه ابن أبي حاتم عن أهل الحديث أن من يقولون فيه ذلك ، فهو ساقط الحديث ، لا يعتبر به .
وفي معناها قولهم: ( ذاهب الحديث ) ، و ( ساقط الحديث ) ، و ( واهي الحديث ) .
فإذا لم تضف للفظ ( الحديث ) ، كقولهم: ( متروك ) و ( ذاهبٌ ) و ( ساقط ) و (واه ) ، فأغلب ما استعملت له هو ذات المعنى بالإضافة ، لكن قد يراد به غير ذلك ، فتفطن ، وابحث عن وجهه في كلمات سائر النقاد ، فلن تعدم وجهه إن شاء الله .
ـــــــــــــــــ
39 -قولهم: ( تركه فلان ) .
هذه صيغة جرح ، ولا تلازم بينها وبين صيغة ( متروك ) أو ( متروك الحديث ) ؛ فقد يراد بها ذلك ، وقد يراد بها أن الناقد ترك ذلك الراوي لمجرد ضعفه عنده .
ومن أبرز النُّقُّاد الذين يجدر بك أن تلاحظ طريقتهم في ذلك: الإمامان يحيى بن سعيد القطان ، وصاحبه عبد الرحمن بن مهدي ، وأكثر من نقل عنهما الحافظان: عمرو بن على الفلاس ، ومحمد بن المثنى الزمن .
(1) - أحوال الرجال ( النص: 277 ) .
(2) - الكامل ( 4 / 471 ) .