عبارة جرح مجملةٌ ، إذا عارضت التعديل فإنها تثير شُبهة إمكان الشُّذوذ ، وربما أيضًا التفرد .
وابن حبان يقول في مواضع فيمن يوردهم في"الثقات":"يخالف"،"ربَّما خالف"فهي عبارة لا تعني الجرح المسقط ، والثقة قد يخالف ، فتكون روايته شاذَّة إذا كانت المخالفة لمن هو أتقن منه ، وإنما يكون مجرَّد المخالفة قادحًا مؤثِّرًا في الراوي إذا كان قليل الحديث ، ولم نجد لروايته ما يعضدها .
ـــــــــــــــــ
29 -قولهم: ( لا يتابع على حديثه ) .
قال ابن القطان الفاسيُّ:"يُمسُّ بهذا من لا يعرف بالثقة ، فأما من عرف بها فانفراده لا يضره ، إلا أن يكثر ذلك منه" [1] .
قلت: والأمر كما قال ، وأكثر من استعمل هذه العبارة من المتقدِّمين البخاري ، وإذا قالها في راو فإنه يعني تفرده بما لا يعرف إلا من طريقه ، وفي الغالب هو حديثٌ معيَّنٌ ليس لذلك الراوي سواه ، ولذا فهذه اللفظة إذا قالها البخاري في راو فهو تضعيف ؛ لأنها غالبًا إمَّا في مجهول أو مُقلِّ ، ومن كان بهذه المنزلة ولا يروي إلا حديثًا واحدًا يتفرد به ، فلا يحتجُّ به .
ففي تاريخ البخاري (ج 1 / ص 45) [ 237 ] محمد بن الزبير إمام مسجد حران عن حجاج الرقي عن عكرمة عن بن عباس سمع منه النفيلي لا يتابع في حديثه عن حجاج.
وتاريخ البخاري (ج 1 / ص 57) [ 313 ] محمد بن سلام الخزاعي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يأتي البهيمة والرجل يصبح في غضب الله قاله دحيم عن ابن أبي الفديك قال حدثني محمد لا يتابع عليه.
وتاريخ البخاري (ج 1 / ص 67) [ 378 ] محمد بن عبد الله الكناني عن عطاء وعامر بن عبد الله بن الزبير وعمرو بن دينار قاله لي يعقوب بن محمد سمع إسحاق بن جعفر روى عن عمرو بن دينار عن ابن عباس دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة كالمستطعم السائل رافعا يديه لا يتابع فيه.
(1) - بيان الوهم والإيهام ( 5 / 363 ) .