الفصل الثالث
نماذج لأعيان من يعتمد قولهم في الجرح والتعديل
قبل أن أذكر نماذج من أعيان من يعتمد قولهم في الجرح والتعديل، يحسن أن أذكر صفة من يقبل منه الجرح والتعديل.
أولا
صفة من يقبل منه الجرح والتعديل
-أن يكون المتكلم عارفًا بمراتب الرجال، وأحوالهم في الانحراف والاعتدال، ومراتبهم من الأقوال والأفعال [1] :
-أن يكون من أهل الورع والتقوى:
ذلك أن الورع، والتقوى يمنعانه من القول في الرجال بغير علم، ويمنعه الورع والتقوى من الجور والحيف في القول فيمن يتكلم فيه، فلا يقول فيه إلا الحق والصدق.
كما أن الورع والتقوى يجعله لا يخاف في الله لومة لائم، ويحمله على أن لا يحابي أحدا في هذا المجال، بل يقدِّم الاحتياط لسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من يحبُّه أو يقرِّبه.
-أن يكون مجانبًا للعصبية والهوى:
إن صاحب الهوى يحمله هواه أن يجرح الثقة، أو يوثق الضعيف، وصاحب الهوى غالبا ما يسوقه هواه إلى الضلال. قال الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (50) سورة القصص، أي: لا أحد أضلَّ ممن اتبع هواه بغير هدى.
ومن الهوى الذي يمكن أن يسوق الإنسان إلى أن يقول في أخيه ما لا يقتضيه حاله ما يقع بين الفرق من اتهام كلٍّ منها الفرقة الأخرى.
-أن يكون المعدِّلُ والمجرِّحُ خاليًا من التساهل والتشدُّدِ:
ذلك أن تساهل المجرح يقتضي أن يوثق الضعيف، وقد يؤدي به تساهله إلى أن يحسن الظن بكل أحد، ومن ثم يوثقه، وهذا ينافي كمال الاحتياط لسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(1) - انظر: هذه الفقرات كلها في مقدمة الرد الوافر لابن ناصر الدين).