فقد كان علماء هذا الفن والمصنِّفُون فيه يزنون النقلة من خلال ما بلغهم من اختيار هذين الإمامين ، في موضع اتفاقهما وافتراقهما .
وطريقة يحيى معروفة عندهم بالتشدد ، وطريقة ابن مهدي بالاعتدال ، فإن اتفقا على ترك الراوي ، فلا يكاد جرحه يندمل ، وإذا اتفقا على الرواية عنه فقد جاز القنطرة ، وإذا افترقا ، فقبله ابن مهدي وتركه يحيى فعندئذ يغلب الاعتدال ، فيكون رأي ابن مهدي أرجح عند النقاد ، أو قبله يحيى وتركه ابن مهدي رجح القبول بطريقة الأولى ، لكن حال اختلافهما لا يعني أن يكون القبول فيه بمعنى الاحتجاج ، كما لا يكون الترك بمعنى السقوط ، بل ربما كان الراوي في موضع من يكتب حديثه للاعتبار .
فمن أمثلة من اتفقا على الرواية عنهم: واصل بن عبد الرحمن أبو حرة البصري [1] ، وعبد الله بن عثمان بن خثيم [2] ، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي [3] ، وما من هؤلاء إلا مقبول الحديث ، فثلاثتهم من أهل الصدق .
ومن أمثلة من اتفقا على ترك الرواية عنهم ، وهي كثيرة: أشعث بن سوار [4] ، ورباح بن أبي معروف [5] ، ومحمد بن راشد المكحولي [6] ، والمثنى بن الصباح [7] ، ومسلم بن كيسان الأعور [8] ، وهؤلاء لم يبلغ حديثهم الترك عند سائر الأئمة ، بل هم موصوفون بالصدق في الجملة ، لكن لا يحتجُّ بهم ، إنما يكتب حديثهم للاعتبار ، وبعضهم أضعف من بعض والأخيران أضعفهم .
(1) - الجرح والتعديل ( 4 / 2 / 31 ) .
(2) - الجرح والتعديل ( 2 / 2 / 112 ) الكامل ( 5 / 267 ) .
(3) - الكامل ، لابن عدي ( 8 / 525 ) .
(4) - الجرح والتعديل ( 1 / 1 / 271 ) .
(5) - الجرح والتعديل ( 1 / 2 / 489 ) الكامل ( 4 / 106 ) .
(6) - الكامل ( 7 / 419 ) .
(7) - الجرح والتعديل ( 4 / 1 / 324 ) الكامل ( 8 / 172 ) .
(8) - الجرح والتعديل ( 4 / 1 / 192 ) .