وابن معين كانت تحمله الغيرة على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يقول من العبارة ما يتحصل المقصود بدونه ، ككلامه في سويد بن سعيد وعلي بن عاصم .
وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة ، فوثقه ، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه ، فقال:"يا بني ، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطًا أشد من شرط البخاري ومسلم" [1] .
ولكن الشأن فيما إذا تعارض قول أحدهم مع قول ناقد سواه ، فنلاحظ ما يحتمل وروده بسبب ما عرف عنهم من الشدة ، كما نلاحظ من آخرين ما يمكن أن يكون في تعديلهم ، بسبب ما ذكروا به من التساهل ، كابن حبان .
الاعتبار الثالث: النظر والإنشاء ، للمتقدمين ، والتحرير والترجيح ، للمتأخرين.
والمقصود أن لا تقيم التعارض مثلًا بين جرح أبي حاتم الرازي وتوثيق الذهبي ، من أجل أن أبا حاتم إنما جرح بمقتضى بحثه ودرايته بحال الراوي واختبار حديثه ، والذهبي وثق ترجيحًا لقول من خالف أبا حاتم من النقاد ، باتباع قوانين الترجيح التي نحن في صدد بيانها .
وإنما يقوم التعارض بين كلام المنشئين .
الاعتبار الرابع: الناقد العارف في جرح وتعديل أهل بلده .
وهذا وجدنا له الأثر في أن الناقد إذا عدل أو جرح بلديه كان أصح مذهبًا فيهم من الغرباء ، ولا يستغرب ذلك ، فكونه من أهل داره يوجب مزيد اطلاع .
قال حماد بن زيد:"بلدي الرجل أعرف بالرجل" [2] .
قال أبو بكر المروذي: سألت ( أحمد بن حنبل ) عن قطن الذي روى عنه مغيرة ؟ فقال:"لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة"، قلت: إن جريرًا ذكره بذكر سوء ، قال:"لا أدري ، جرير أعرف به وببلده" [3] .
(1) - شروط الأئمة الستة ، لابن طاهر ( ص: 104 ) .
(2) - أخرجه الخطيب في"الكفاية" ( ص: 175 ) بإسناد جيد .
(3) - العلل ، رواية المروذي ( النص: 98 ) ، وجريرٌ هوَ ابنُ عبد الحميد .