قال ابن حزم:"التجريح يغلب التعديل ؛ لأنه علم زائد عند المجرح لم يكن عند المعدل ، وليس هذا تكذيبًا للذي عدَّل ، بل هو تصديق لهما معًا" [1] .
التنبيه الثاني: الجرح لمن استقرت عدالته وثبتت إمامته مردود .
الراوي إذا ثبت عدالته وعرفت ثقته وإمامته باتفاق النقاد السالفين ، فتناوله جارح متأخر فتكلم فيه بعد ذلك ، فذلك مما لا يلتفت إليه ، وإن كان ذلك الجارح ممن يفهم هذا الفن ، وإن وجدت لهذا مثالًا فإنك لا تعدم إما نقص الحجة على الجرح ، وإما الخطأ فيه .
سأل أبو عبد الرحمن السلمي الدار قطني عن أبي حامد الشرقي ؟ فقال:"ثقة مأمون إمام"، قال السلمي: فقلت: فما تكلم فيه ابن عقدة ، فقال:"سبحان الله ! وترى فيه مثل كلامه ؟ ولو كان بدل ابن عقدة يحيى بن معين"، قلت: وأبو علي الحافظ كان يقول من ذلك ، فقال:"وما كان محل أبي علي وإن كان مقدمًا في الصنعة أن يسمع كلامه في أبي حامد ، رحم الله أبا حامد ، فإنه صحيح الدين ، صحيح الرواية" [2] .
التنبيه الثالث: تقديم الجرح عند اجتماع الشروط لا يلزم منه السقوط بالراوي .
وإنما المقصود إعماله ، وقد يصير إلى النزول بدرجة الراوي عن درجة المتقنين إلى من يقبل حديثه بعد تحقق سلامته من الغلط ، كما قد يعتبر الجرح فيه عند مقارنته بمن هو فوقه ، لا إذا استقل بالرواية ، وقد ينزل به إلى درجة من يرد حديثه الذي ينفرد به ، ويعتبر به عند الموافقة ، وقد يلحق بالمتروكين ، أو الكذابين .
والعبرة بدلالة ذلك الجرح المفسر وأثر قدحه .
(1) - الإحكام في أصول الأحكام ( 2 / 146 ) .
(2) - سؤالات السلمي للدارقطني ( النص: 18 ) . أبو حامد هوَ أحمد بن مُحمد بن الحسن النيْسابوري ، من تلامذةِ مُسلم ، وأبو علي هوَ الحسين بنُ علي بن يزيد النيْسابوري ، من كِبار الحُفاظ .