وقد عرف استعمالها عن البخاري ، وندرت جدًا عن غيره ، كأبي حاتم الرازي وأبي زرعة ومسلم بن الحجاج .
ولا يعاب استعمالها منهم فيمن قالوها فيه ، إلا قول البخاري في ( أبي حنيفة النعمان بن ثابت الإمام الفقيه ) :"سكتوا عنه ، وعن رأيه ، وعن حديثه" [1] .
فهذه حكاية من البخاري عن أهل الحديث ، ومن تأمَّل فاحصًا منصفًا متبرئًا من العصبية وجد هذا القول خطأ ، وذلك - بإيجاز - من جهتين:
الأولى: دلالة الاستقراء على أن أهل الحديث قد اختلفت عباراتهم في أبي حنيفة ، بين معدِّل وجارح ، علمًا أن الجرح عند من جرح لم يفسر بسبب حديثه ، فكيف سكتوا عنه , وفيهم من أثنى عليه وأطراه ورفع من شأنه .
والثانية: أن عبارات الجارحين وقع فيها من المبالغة والتَّهويل ، وذلك بسبب الشِّقاق الذي كان بين أهل الرأي وأهل الحديث في تلك الفترة ، علمًا بأن كثيرًا من تلك الأقاويل لا تصح نسبتها إلى من عزيت إليه .
وأبو حنيفة شغله الفقه عن الحديث ، ولعله لو اشتغل به اشتغال كثير من أهل زمانه ، لم يمكن مما مُكِّن فيه من الفقه ، ومع ذلك فإنه قد روى وحدث ، نعم ، ليس بالكثير على التحقيق ؛ للعلة التي ذكرنا ، وهي انصرافه إلى فقه النصوص دون روايتها .
وقال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ 1/168: أبو حنيفة الإمام الأعظم ، فقيه العراق ... حدّث عن عطاء ونافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وسلمة ابن كهيل وأبي جعفر محمد ابن على وقتادة وعمرو بن دينار وأبي إسحاق وخلق كثير
(1) - التاريخ الكبير ( 4 / 2 / 81 ) .