فهرس الكتاب

الصفحة 1089 من 2214

مسألة

قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الآية، تمسك بها الشافعي في قسم الصدقات على الثمانية الأصناف. فإن ظاهر الآية التمليك، والواو العاطفة للجمع والتشريك. فيجب اشتراك الجميع في ملك هذا المال الذي هو الصدقة. وخالف مالك، ورأى أن اللام فيها للاستحقاق، وبيان المصرف، لا للملك والتشريك فيه، لأن المقصود دفع الحاجة، بدليل سياق الآية، فإنه سبحانه ذكر أولا من ليس أهلها بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة:58] فإنها مصرحة بأن من لا يستحق الصدقة طلبها، فأجيب بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} [التوبة: 60] الآية، أي ليس الطالب لها مستحقا، وإنما المستحق لها هذه الأصناف المذكورة. ولا يلزم من كونهم مستحقين أن يشتركوا، بل اللازم من ذلك أن لا تخرج عنهم، وتوزيعها عليهم بحسب اجتهاد الإمام، فإنه مأمور بأخذها ممن وجبت عليه، وتفريقها لمن يراه من المستحقين، ودل عليه قوله عليه السلام:"خذ صدقة من أغنيائهم وترد على فقرائهم"1 ولم يذكر له غير صنف. قال أصحابنا: المقتصر على الإعطاء لصنف واحد معطل لا مؤول.

وقال الشافعي ما حاصله: ثم إن الحاجة ليست مرعية في بعض الأصناف المذكورين كالعاملين، فإنهم يأخذونها لا من جهة حاجتهم، وكالغارمين بسبب حمالة يحملونها لإصلاح ذات البين، فقد بطل التعويل على الحاجة.

وقد نقل الغزالي أن منع الشافعي الحكم لقصور الإبياري في"شرح البرهان"وقال: اللام في"للفقراء"إما أن تكون للتمليك، أو للأهلية والانتفاع، كالجل للفرس، فإن كان المراد الملك صح ما قاله الشافعي، وإلا فلا، لاشتراك الكل في الأهلية وصحة التصرف. قال: وهذا هو المختار، فيخرج الكلام بهذا التقرير عن مراتب النصوص.

فإما أن نقول إنه مشترك بين الجهتين، مفتقر إلى البيان في الحالين، فيكون كل واحد مفتقرا إلى الدليل، أو نسلم ظهور ما قالوه، فتخرج المسألة عن تعطيل النصوص،

ـــــــ

1 رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة، برقم 1395. ومسلم كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام برقم 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت