مسألة: [تقديم المعمولات على عواملها]
تقديم المعمولات على عواملها، نحو: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] ، {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الانبياء: 27] . وقد صرح صاحب"المحصول"وغيره بدلالته على الحصر. قال بعضهم: ولا خلاف في إفادة هذا الحصر عند القائلين به من جهة المفهوم لا المنطوق. وذكره البيانيون أيضا. ورده ابن الحاجب في"شرح المفصل"، والشيخ أبو حيان. وقال: الذي نص عليه أن التقديم للاهتمام والعناية. فقال: كأنهم يقدمون الذي شأنه أهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا مهتما بهما أو بعنايتهما. ا هـ.
وهذا إنما قاله سيبويه في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعول. قال: وذلك قولك: ضرب زيدا عبد الله. ثم قال: وكأنهم يقدمون. إلى آخره. وليس هذا محل النزاع، لأن الكلام في تقديم المعمول على العامل، لا في تقديمه على الفاعل. وذكره في باب:"ما يكون فيه الاسم مبنيا على الفعل". قال: وذلك قولك: زيدا ضربت، فالاهتمام والعناية هنا في التقديم والتأخير سواء مثله في ضرب زيد عمرا، وضرب زيدا عمرو، فهذا وإن كان محل النزاع فلا حجة فيه، لأنه إنما ذكره من الجهة التي شابه بها تقديم الفاعل على المفعول أو العكس في المثالين، وليس فيه من هذه الجهة إلا الاهتمام، ولا يبقى ذلك الذي اختص بها إذا تقدم على العامل وهي الحصر.
والحق أن التقديم يفيد الاهتمام، وقد يفيد مع ذلك الاختصاص بقرائن، وهو الغالب، وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة، وهي قوله تعالى: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40-41] فإن التقديم في الأولى قطعا. للاختصاص، وفي"إياه"قطعا للاختصاص، والذي عليه محققو البيانيين أن ذلك غالب لا لازم، بدليل قوله تعالى: {كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 84] {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} [ابراهيم: 10] إن جعلنا ما بعد الظرف مبتدأ.