فهرس الكتاب

الصفحة 1308 من 2214

فصل في دلائل النسخ

إذا ورد في الشيء الواحد حكمان مختلفان، ولم يمكن استعمالهما استدل على نسخ أحدهما بأمور:

أحدها: اقتضاء اللفظ له، بأن يعلم تقدم أحد الحكمين على الآخر، فيكون المتقدم منسوخا، والمتأخر ناسخا. قال الماوردي: المراد بالتقدم التقدم في التنزيل، لا التلاوة، فإن العدة بأربعة أشهر سابقة في التلاوة على العدة بالحول، مع أنها ناسخة لها، واقتضاء اللفظ إما بالتصريح كقوله: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [لأنفال: 66] فإنه يقتضي نسخه لثبات الواحد للعشرة بقوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] فإنه يقتضي نسخ الإمساك بعد الفطر، وقوله: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [المجادلة: 13] الآية فإنه يقتضي نسخ الصدقة عند المناجاة، وإما بأن يذكر لفظ يتضمن التنبيه على النسخ، كما نسخ الإمساك في البيوت حد الزنى بقوله: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] فنبه على عدم الاستدامة في الإمساك، ولذلك قال:"خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا"1، وإما بالاستدلال بأن تكون إحدى الآيتين مكية، والأخرى مدنية فعلم أن المنزل بالمدينة ناسخ للمنزل بمكة. قاله أبو إسحاق المروزي وغيره.

الثاني: بقوله عليه السلام: هذا ناسخ أو ما في معناه، كقوله:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"2.

الثالث: فعل النبي صلى الله عليه وسلم كرجم ماعز، ولم يجلده، يدل على أن قوله:"الثيب بالثيب جلد مائة ورجمه بالحجارة"3 منسوخ، ذكره ابن السمعاني، ثم قال: وقد قالوا: إن الفعل لا ينسخ القول في قول أكثر الأصوليين، وإنما يستدل بالفعل على تقدم النسخ بالقول، فيكون القول منسوخا بمثله من القول، لكن فعله بين ذلك القول.

ـــــــ

1 رواه مسلم في صحيحه 3/1316 كتاب الحدود، باب حد الزنى، حديث 1690.

2 سبق تخريجه.

3 سبق تخريجه. وهو حديث صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت