الزكاة في السائمة وإسقاطها في غيرها. ومثل فحوى الخطاب بقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] . وقوله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63] . أي فضرب فانفلق، لأن الفحوى هو المعنى، وإنما يعرف المراد به بدلالة اللفظ المظهر على المضمر المحذوف.
قال: وكان الشيخ أبو الحسن المقري يجوز الوقف على قوله تعالى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء: 63] ثم يبتدئ بقوله: {فَانْفَلَقَ} فقلت له: إن ذلك لا يجوز، لأن قوله: {أَنِ اضْرِبْ} وقوله: {فَانْفَلَقَ} بمجموعهما يدلان على ذلك المسقط، فلم يجز الوقف عليه. قال: وأما لحن القول فهو غير هذا، ويسمى به، لأن اللفظ يذكر ويراد غيره، لكن باللحن من القول تبين أن المراد به غيره، كما قال تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30] لأنه قال قبل ذلك: {حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ} [محمد: 16] . كان المراد أن ما قال عليه السلام ليس بشيء، فهذا هو لحن القول، لأن قولهم: ماذا قال محمد آنفا؟ لم يكن غرضهم من هذا اللفظ استكشاف القول، والفحص عن معناه. وهذا اللفظ يجوز أن يراد به ذلك، لكن في لحن القول قد يراد به ما قدرناه، فهم كانوا يقولون ذلك، وكان ذلك بينا في لحن قولهم، والله أعلم.
وهذا المفهوم تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق، إما في الأكثر كدلالة تحريم التأفيف من قوله: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الاسراء: 23] على تحريم الضرب، وسائر أنواع الأذى، فإن الضرب أكثر أذى من التأفيف، وكقوله صلى الله عليه وسلم في المسلمين:"يسعى بذمتهم أدناهم"1، فإنه يفهم ثبوت الذمة لأعلاهم بطريق الأولى. وإما في الأقل كقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] مفهومه أن أمانته تحصل في الدرهم بطريق الأولى. وتارة يكون مساويا، كدلالة جواز
ـــــــ
1 رواه أبو داود 3/80 كتاب الجهاد، حديث 2751، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهو يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومتسريهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده"والحديث رواه البخاري في صحيحه، برقم 6755 بلفظ"ذمة المسلمين ظواحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والنااس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل"ومكسلم أيضا، حديث 1370.