فهرس الكتاب

الصفحة 1703 من 2214

الأحكام من المصالح يمتنع في العقل كما يقول المعتزلة, وإنما نقول رعاية هذه المصلحة أمر واقع في الشرع, وكان يجوز في العقل أن لا يقع كسائر الأمور العادية. ثم القائل بالوجوب ما يريد ما هو المفهوم من الوجوب الشرعي, ولكن معناه عنده أن نقيضه يمتنع على الباري, كما يجب وصفه بالعلم لأن نقيضه - وهو الجهل - ممتنع, وعلى هذه الطريقة ينزل كلام ابن الحاجب وغيره ويرتفع الإشكال.

وقال بعض المتأخرين: اشتهر عند المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل واشتهر عند الفقهاء التعليل وأن العلة بمعنى الباعث, ويتوهم كثير من الناس أنها الباعث للشرع فيتناقض كلام الفقهاء وكلام المتكلمين وليس كذلك ولا تناقض بل المراد أن العلة باعثة على فعل المكلف, مثاله حفظ النفوس فإنه علة باعثة على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع, فحكم الشرع لا علة له ولا باعث عليه, لأنه قادر أن يحفظ النفوس بغير ذلك, وإنما يتعلق أمره بحفظ النفوس, وهو مقصود في نفسه وبالقصاص, لأنه وسيلة إليه فكلاهما مقصود للشارع: حفظ النفوس قصد المقاصد, والقصاص قصد الوسائل, وأجرى الله العادة أن القصاص سبب للحفظ. فإذا قصد بأداء فعل المكلف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص, وانقاد إليه القاتل امتثالا لأمر الله تعالى ووسيلة إلى حفظ النفوس, كان له أجران أجر على القصاص وأجر على حفظ النفوس, وكلاهما مأجور به من جهة الله تعالى, أحدهما بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [سورة البقرة: 178] والثاني: إما بالاستنباط أو بالإيمان بقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} . وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة ومن هنا نبين أن كل حكم معقول المعنى فللشارع فيه مقصودان:

أحدهما: ذلك المعنى. والثاني: الفعل الذي هو طريق إليه وأمر المكلف أن يفعله قاصدا به ذلك المعنى, فالمعنى باعث له لا للشارع. ومن هنا تعرف أن الظاهرية فاتهم نصف التفقه ونصف الأجر, وتعرف أن الحكم المعقول المعنى أكثر أجرا من التعبدي, نعم التعبدي فيه معنى آخر وهو أن النفوس لا حظ لها فيه فقد يكون الأجر الواحد يعدل الأجرين اللذين في الحكم غير التعبدي, وتعرف به أيضا أن العلة القاصرة سواء فيها المستنبطة والمنصوص عليه.

فائدة:

بعين كل مسألة ثلاث مراتب: حكم الله بالقصاص, ونفس القصاص وحفظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت