فهرس الكتاب

الصفحة 662 من 2214

ونقل ابن الخباز عن شيخه: أن"ثم"إذا دخلت على الجمل لا تفيد الترتيب كقوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} إلى قوله {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد:17] فحصل ثلاثة أقوال: أما في الزمان نحو {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى} [المؤمنون:45] وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ} [المؤمنون:13] أو في المرتبة نحو {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه:82] أو للترتيب في الأخبار كقوله تعالى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:9] {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة:29] والسماء مخلوقة قبل الأرض بدليل قوله {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات:30] وقال الراغب: تقتضي تأخر ما بعدها عما قبله إما تأخرا بالذات أو بالمرتبة أو بالوضع، ونقل ابن دقيق العيد في شرح الإلمام "فصلا عن الإمام محمد بن بري في الترتيب ب"ثم"ضعف فيه القول بالترتيب الإخباري."

قال: بعد أن قررت أن"ثم"لترتيب الثاني على الأول في الوجود بمهلة بينهما في الزمان أن"ثم"تأتي أيضا لتفاوت الرتبة، ثم قال: ويجيء هذا المعنى مقصودا بالفاء العاطفة، نحو خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل، ونحو"رحم الله المحلقين فالمقصرين1"، فالفاء في المثال الأول لتفاوت رتبة الفضل من الكمال والحسن في الحال، وفي الثاني لتفاوت رتبة المحلقين من المقصرين بالنسبة إلى حلقهم وتقصيرهم. وقوله تعالى {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا} [الصافات:2] تحتمل الفاء فيه المعنيين مجازا، فيجوز أن يراد تفاوت رتبة الصف من الزجر، ورتبة الزجر من التلاوة.

ويجوز أن يراد بها تفاوت رتبة الجنس الصاف من الجنس الزاجر بالنسبة إلى صفهم وزجرهم، ورتبة الجنس الزاجر من الثاني بالنسبة إلى زجره وتلاوته. ثم قال: وهذا أولى من قول من يقول: هي لترتيب الجمل في الأخبار لا لترتيب الخبرية في الوجود; لأنه ضعيف في المعنى لبعد المهلة فيه حقيقة. واستدل القائلون به بقول:

إن من ساد ثم ساد أبوه

وأجيب بأنه لتفاوت رتبة الابن من أبيه أو لتفاوت رتبة سيادته من سيادة

ـــــــ

1 رواه البخاري كتاب الحج، باب: الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم"1727"، ومسلم"2/ 925"كتاب الحج، باب، تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، برقم"1301"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت