فهرس الكتاب

الصفحة 843 من 2214

فالجواب إما بتعيين أحدهما أو بنفي كل منهما، فكان قوله:"كل ذلك لم يكن"، لنفي كل واحد منهما، ولكن بالنسبة إلى ظنه صلى الله عليه وسلم، فلو كان يفيد نفي المجموع، لا نفي كل واحد منهما، لكان قوله:"كل ذلك لم يكن"غير مطابق للسؤال، ولم يكن في قول ذي اليدين قد كان بعض ذلك جواب له، فإن السلب الكلي يناقضه الإيجاب الجزئي. وقد ذكروا في سبب ذلك طرقا منه: أن النفي مع تأخر"كل"متوجه إلى الشمول دون أصل الفعل، بخلاف ما إذا تقدمت فإن النفي حينئذ يتوجه إلى أصل الفعل. قال الجرجاني: من حكم النفي إذا دخل على كلام، وكان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه النفي إلى ذلك التقييد دون أصل الفعل، فإذا قيل:لم يأت القوم مجتمعين، كان النفي متوجها إلى الاجتماع الذي هو قيد في الإتيان دون أصل الإتيان، ولو قال قائل: لم يأت القوم مجتمعين، وكان لم يأته أحد منهم، لقيل له: لم يأتوك أصلا، فما معنى قولك: مجتمعين، فهذا مما لا يشك فيه عاقل، والتأكيد ضرب من التقييد.

وهاهنا تنبيهات

الأول: أورد على قولهم: إن تقدم النفي على"كل"لسلب العموم، ولا يفيد الاستغراق قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم:93] فينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم ينتقض النفي، فإن انتقض فالاستغراق باق كالآية، ويكون لعموم السلب.

ومنه: ما كل رجل إلا قائم، وسببه أن النفي للمجهول، وما بعد"إلا"لا تسلط للنفي عليه، لأنه مثبت، وهو في المفرغ مستند لما قبلها، وهو كل فرد كما كان قبل دخول النفي والاستثناء.

الثاني: أن حكم النهي فيما سبق حكم النفي، فإذا قلت: لا تضرب كل رجل أو كل الرجال، كان النهي عن المجموع لا عن كل واحد. ولو قلت: كل الرجال لا تضرب، كان عموما في السلب بالنسبة إلى كل فرد، ولذلك قال الفقهاء: لو قال: والله لا كلمت كل رجل، إنما يحنث بكلامهم كلهم، فلو كلم واحدا لم يحنث، وهذا وإن لم يكن نهيا فهو في حكمه.

وقد رد بعضهم هذه القاعدة بقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} [الأنعام:151] {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} [الأنعام:151] ونظائره، فإنه لم يزل العلماء يستدلون به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت