عاما فيما وراء التخصيص، ويصح التعلق به، سواء كان المخصص معلوما أو مجهولا، ولكنه موجب للعمل لا للعلم، بخلاف ما قبل التخصيص عندنا، فإنه قطعي.
وقيل: إن كان المخصص معلوما صح التعلق به، وإلا فلا. وقال الكرخي، وأبو عبد الله الجرجاني: لا يبقى للباقي عموم، ولا يصح التعلق به، ولكن إذا كان معلوما يبقى موجبا للعلم والعمل، أو مجهولا لا يوجبهما; بل يوقف على دليل آخر. وقيل: إن كان المخصص مجهولا لم يثبت به الخصوص أصلا، بل يبقى النص عاما كما كان. انتهى.
وإن خص بمعين كما لو قيل: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة أو المستأمن، فهل يجوز التعليق به بعد التخصيص؟ اختلفوا فيه على مذاهب:
أحدها: أنه حجة في الباقي مطلقا، وهو قول معظم الفقهاء، واختاره الآمدي، والرازي، وابن الحاجب1، وقال أبو الحسين بن القطان: إنه الأصح. وقال ابن الصباغ في"العدة": إنه قول أصحابنا.
وقال القفال: لا فرق بين الاستثناء وغيره، ولا بين المتصل بالخطاب والمنفصل عنه. قال إلكيا الطبري: ولكنه دونه ما لم يتطرق التخصيص إليه، فيكسبه ضربا من التجوز، ولو رجح"نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير2"على عموم قوله: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام:145] الآية بأن التخصيص يتطرق إليها لكان الخمر والقاذورات المحرمة خارجة عنها.
وقال أبو زيد في"التقويم": إنه الذي صح عنده من مذهب السلف. قال: لكنه غير موجب للعلم قطعا، بخلاف ما قبل التخصيص. وكذا قال السرخسي3. قال أبو حنيفة: خص هذا العام بالقياس فعرفنا أنه حجة للعمل، وإن لم يوجب العلم، ونقله عبد الوهاب في"الملخص"عن أصحابهم والشافعي.
والثاني: أنه ليس بحجة، ونقل عن عيسى بن أبان، وأبي ثور، وحكاه القفال الشاشي عن أهل العراق، والغزالي عن القدرية، قال: ثم منهم من يقول: يبقى أقل الجمع، لأنه المتيقن. قال: وكلام الواقفية في العموم المخصوص أظهر لا محالة، ومرادهم
ـــــــ
1 انظر مختصر ابن الحاجب مع العضد"2/108"، والإحكام للآمدي"2/214".
2 رواه مسلم"3/1534""، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل وكل ذي مخلب من الطير، برقم"1934""
3 انظر أصول السرخسي"1/144".