الشرع كالغسلة الثانية والثالثة إلى السابعة، وكإحسان الأكفان وإحسان الحمل والمبالغة في الدعاء، وحسن الوضع في القبر وحسن الدفن، ولا تسقط حقوق الميت بإسقاطه، فلو أوصى بألا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن لم يلتفت إليه، لأن هذا من الحقوق التي لا تقبل الإسقاط لما فيها من حق الله عز وجل.
[فائدة] ما من حق للعباد يسقط بإسقاطهم أو لا يسقط بإسقاطهم إلا وفيه حق لله، وهو حق الإجابة والطاعة، سواء كان الحق مما يباح بالإجابة أو لا يباح بها، وإذا سقط حق الآدمي بالعفو فهل يعزر من عليه الحق لانتهاك الحرمة؟ فيه اختلاف والمختار أنه لا يسقط إغلاقا لباب الجرأة على الله عز وجل.
القسم الثالث من أقسام الضرب الثاني من جلب المصالح ودرء المفاسد
حقوق البهائم والحيوان على الإنسان، وذلك أن ينفق عليها نفقة مثلها ولو زمنت أو مرضت بحيث لا ينتفع بها، وألا يحملها ما لا تطيق ولا يجمع بينها وبين ما يؤذيها من جنسها أو من غير جنسها بكسر أو نطح أو جرح، وأن يحسن ذبحها إذا ذبحها ولا يمزق جلدها ولا يكسر عظمها حتى تبرد وتزول حياتها وألا يذبح أولادها بمرأى منها، وأن يفردها ويحسن مباركها وأعطانها، وأن يجمع بين ذكورها وإناثها في إبان إتيانها، وأن لا يحذف صيدها ولا يرميه بما يكسر عظمه أو يرديه بما لا يحلل لحمه، والحقوق كلها ضربان: أحدهما مقاصد. والثاني وسائل ووسائل وسائل، وهذه الحقوق كلها منقسمة إلى ما له سبب وإلى ما ليس له سبب فأما ما لا سبب له فكالمعارف والحج والاعتكاف والطواف، وأما ما له سبب فكالصلاة والزكاة والمعاملات والحقوق الماليات.
فإن قيل: هلا كان دخول أشهر الحج سببا لوجوبه كما كان دخول وقت الصلاة سببا لوجوبها؟ قلنا قد يجب الحج قبل دخول وقته على من بعدت داره وفي هذا بحث، ولا يتعلق حظر ولا إيجاب ولا كراهة ولا استحباب إلا بفعل داخل تحت قدرة المكلف واختياره، والتكاليف مقيدة بالحياة.