الاقتصاد رتبة بين رتبتين، ومنزلة بين منزلتين، والمنازل ثلاثة: التقصير في جلب المصالح، والإسراف في جلبها، والاقتصاد بينهما. قال الله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} وقال حذيفة: الحسنة بين السيئتين، ومعناه أن التقصير سيئة، والإسراف سيئة، والحسنة ما توسط بين الإسراف والتقصير، وخير الأمور أوسطها، فلا يكلف الإنسان نفسه من الخيور والطاعات إلا ما يطيق المداومة عليه ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة، وقال عليه السلام في قيام الليل:"ليصل أحدكم نشاطه فإذا وجد كسلا أو فتورا فليقعد - أو قال فليرقد"- ومن تكلف من العبادة ما لا يطيقه، فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله، ومن قصر عما يطيقه، فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنطع في الدين وقد هلك المتنطعون، وأنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه قيام الليل، وصيام النهار، واجتناب النساء وقال له:"أرغبت عن سنتي؟"فقال: بل سنتك أبغي، قال:"فإني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"وقد نهى الله عثمان بن مظعون وأصحابه عما عزموا عليه: من سرد الصوم وقيام الليل والاختصاء، وكانوا قد حرموا على أنفسهم الفطر والنوم ظنا أنه قربة إلى ربهم، فنهاهم عن ذلك لأنه غلو في الدين واعتداء عما شرع فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} والتقدير ولا تحرموا تناول ما أحل الله لكم من الأكل والشرب والنوم والنكاح ولا تعتدوا بالاختصاء، إن الله لا يحب المختصين، أو لا يحب المعتدين بالاختصاء