اعلم أن من أنعم الله عليه وأحسن إليه وفقه لطاعته ونيل مثوبته، ومن خذله أبعده بمعصيته وعقوبته، فمصالح الآخرة الحصول على الثواب، والنجاة من العقاب، ومفاسدها الحصول على العقاب وفوات الثواب، ويعبر عن ذلك كله بالمصالح الآجلة، والمقصود من العبادات كلها إجلال الإله وتعظيمه ومهابته والتوكل عليه والتفويض إليه. وكفى بمعرفته ومعرفة صفاته شرفا، والآخرة وهي أفضل من كل ثواب يقع عليها ما عدا النظر إلى وجهه الكريم.
وأما مصالح الدنيا فما تدع إليه الضروريات أو الحاجات والتتمات والتكملات.
وأما مفاسدها ففوات ذلك بالحصول على أضداده، ويعبر عن ذلك كله بالمصالح العاجلة، وقد ندب الرب إلى الإكثار من المصالح الأخروية على قدر الاستطاعات، وندب إلى الاقتصار في المصالح الدنيوية على ما تمس إليه الضرورات والحاجات، فرغب الأغنياء الأشقياء في تكثير ما أمر بتقليله وفي تقليل ما أمر بتكثيره فسخط عليهم وأشقاهم، وأبعدهم وأقصاهم وقد قال في أكثرهم: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} ورغب الأنبياء في الاقتصار على الكفاف من الأعراض الدنيوية، وفي الإكثار من التسبب في المصالح الأخروية، فقربهم الرب إليه وأزلفهم لديه فرضي عنهم وأرضاهم، وأسعدهم وتولاهم، فيا شقوة من آثر الخسيس الفاني على النفيس الباقي، ويا غبطة من أرضى مولاه وآثر أخراه على أولاه فلمثل ذلك فليعمل العاملون، وفيه فليتنافس المتنافسون.
[فائدة] التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم والله غني عن عبادة الكل، ولا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين بل لو كانوا كلهم على أفجر قلب رجل واحد منهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئا، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم لم يزد ذلك في ملكه شيئا،