فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 516

قال:"ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة".

فإن قيل: إذا علم الشهود أن الزاني قد تاب من الزنا فصلحت حاله بحيث يجوز لهم تزكيته فهل لهم أن يشهدوا عليه بالزنا بعد ذلك؟ قلنا: إن أسقطنا الحد بالتوبة لم تجز الشهادة، وإن بقينا الحد مع التوبة جازت الشهادة، والأولى كتمانها. فإن قيل: ما معنى قول الفقهاء وجب عليه التعزير والحد والقصاص؟ قلنا: هو مجاز عن وجوب تمكينه من استيفاء العقوبات لإجماع العلماء على أنه لا يجب على الجاني أن يقتل نفسه، ولا على الجارح أن يجرح نفسه ولا على الزاني أن يجلد نفسه ولا أن يرجمها، وكذلك المعزر، وقد صرح الرب بإيجاب أداء الأمانات إلى أهلها، وأداؤها عبارة عن تمكين أهلها من قبضها وأخذها، فكذلك وجوب العقوبات على ذوي الجرائم.

والحقوق في الشرع ضربان: أحدهما ما يجب التمكين من قبضه وأخذه كأمانات الرب وأمانات عباده، فأما أمانات الرب فكاستئمانه الآباء والأوصياء على اليتامى، وكاستئمانه من أطارت إليه الريح ثوبا لغيره وكاستئمانه من كانت في يده أمانة لإنسان فمات ربها وانتقلت إلى ورثته مع بقائها في يد الأمين، فإنها تكون أمانة في يده لورثته فيجب أن يعلم بها أربابها إن لم يكونوا علموا بها، ثم لا يجب عليه بعد الإعلام بها إلا التمكين من قبضها. وأما أمانات الناس فكالودائع ولا يجب فيها إلا التمكين من قبضها.

الضرب الثاني من الحقوق: ما تكون مؤنة إقباضه على مقبضه كالأثمان والعواري والغصوب، وقد اختلف فيما يجب على الجناة فقال بعضهم: يجب عليهم التمكين كما في الأمانات الشرعية، وقال آخرون: يجب عليهم الإقباض والتسليم كما في العواري والغصوب والديون والأثمان، وتظهر فائدة هذا الخلاف في أجرة الجلاد والمستوفي للقصاص.

فإن أوجبنا التمكين لم يلزم الجاني أجرة المستوفي، وإن أوجبنا التسليم وجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت