مفسدة غصبها، وعلى ما في إبقاء الغلام من كفر أبويه وطغيانهما لما أنكر عليه ولساعده في ذلك وصوب رأيه، لما في ذلك من القربة إلى الله - عز وجل -، ولو وقع مثل ذلك في زماننا هذا لكان حكمه كذلك. وله أمثلة كثيرة:
منها: أن تكون السفينة ليتيم يخاف عليها الوصي أن تغصب وعلم الوصي أنه لو خرقها لزهد الغاصب عن غصبها، فإنه يلزمه خرقها حفظا للأكثر بتفويت الأقل، فإن حفظ الكثير الخطير بتفويت القليل الحقير من أحسن التصرفات وقد قال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
ومنها: لو هرب من الإمام من تحتم قتله فأمر الإمام من يلحقه ليقتله فاستغاث بنا لنمنعه من قتله فإغاثته واجبة علينا إذا لم نعلم بالواقعة، بل لو لم يندفع الهام بقتله إلا بالقتل لقتلناه. ولو اطلعنا على الباطن لساعدنا على ذلك، وكان الأجر في مساعدته؛ لأن ذلك هو الواجب عند الله - عز وجل -
فإن قيل: كيف جوز الشرع اللعان من الجانبين مع العلم بأن أحدهما كاذب في أيمانه ولعانه؟ قلنا: إنما جوز ذلك؛ لأن مع كل واحد منهما ظاهرا يقتضي تصديقه، فإن الظاهر من حال الزوج الصدق في قذفها إذ الغالب أن الأزواج لا يقذفون أزواجهم، والظاهر من حال المرأة الصدق؛ لأن الأصل عدم زناها.
ومثل ذلك: ما لو قال رجل إن كان هذا الطائر غرابا فزوجتي طالق أو عبدي حر أو أمتي حرة؛ وقال آخر إن لم يكن غرابا فزوجتي طالق أو عبدي حر أو أمتي حرة، ولم نعلم حال الطائر فإنا نقر كل واحد منهما على ما كان عليه قبل التعليق؛ لأن الأصل في حق كل واحد منهما ملكه البضع ورقبة الرقيق فأشبه اللعان، ولو انتقل رقيق أحدهما إلى الآخر لقطعنا بالحجر عليه فيهما؛ لتحقق المفسدة في حقه، وإنما عمل بالظنون في موارد الشرع ومصادره؛ لأن كذب الظنون نادر وصدقها غالب؛ فلو ترك العمل بها خوفا من وقوع نادر كذبها لتعطلت مصالح كثيرة غالبة خوفا من وقوع مفاسد قليلة نادرة، وذلك على خلاف