فإن حصل العلم أو الاعتقاد أو ظن قوي يربى على الظن الذي ذكرناه أقيم ذلك مقام اللفظ لقوة دلالة العرف وإطراده، وكذلك كدخول الحمامات والقياسير والحانات ودور القضاة والولايات في الأوقات التي اطردت العادة فيها بالجلوس للخصومات والحكومات وقد ذكرنا لذلك نظائر، وإن لم يحصل عرف ولا كتابة تعين اللفظ كما في الأنكحة. فإن قيل هل يستقل أحد بالتملك والتمليك، وهل يقوم أحد مقام اثنين أم لا؟ قلنا: نعم وله أمثلة. أحدها: الأب يستقل ببيع مال ابنه من نفسه وببيع مال نفسه من ابنه. وكذلك في الإجارة وسائر المعاوضات يستقل بتمليك مال ابنه من نفسه وبتمليك مال ابنه لنفسه، وإذا فعل ذلك هل يفتقر إلى إيجاب وقبول فيه وجهان: أحدهما نعم ليأتي بصورة العقد، والثاني لا، لتحقق الرضا فإذا أتى بأحد شقي العقد أتى بما يدل على الرضا من الجانبين، وكذلك الجد لقوة الولاية، وإن زوج الجد بنت ابنه ابن ابنه ففيه خلاف، مأخذه إن تولي الأب لطرفي البيع كان لكثرة وقوعه أو لقوة الولاية. المثال الثاني: استقلال الشفيع بأخذ الشقص المشفوع به ببذل الثمن وهذا استقلال بالتملك والتمليك. المثال الثالث: إذا ظفر الإنسان بجنس حقه بمال من ظلمه فإنه يستقل بأخذه، فإن الشارع أقامه مقام القابض والمقبض لمسيس الحاجة، ولو كان بغير جنس حقه جاز له أخذه وبيعه ثم استيفاء حقه من ثمنه، فقد قام في قبضه مقام قابض ومقبض، وقام في بيعه مقام وكيل وموكل، وقام في أخذ حقه مقام قابض ومقبض فهذه ثلاث تصرفات أقامه الشرع في كل واحدة مقام اثنين. المثال الرابع: المضطر في المخمصة إذا وجد طعام أجنبي أكله بقيمته، وقد أقامه الشرع مقام مقرض ومقترض لضرورته. المثال الخامس: استقلال الملتقط بتمليك اللقطة إقامة له مقام مقترض ومقرض. المثال السادس: استقلال القاتل بملك سلب القتيل، واستقلال السارق بملك ما سرقه من دار الحرب، إذ لا حرمة لأموالهم حتى يشترط فيها رضاهم. وكذلك استقلال الجند بتمليك الغنيمة، وكذلك استقلالهم بأكل أقواتهم من مال الغنيمة