فرفع الصوت في مناجاة الرب فضول لا حاجة إليه. ومنها الأكل والشرب لا يتجاوز فيهما حد الشبع والري، ولا يقتصر منهما على ما يضعفه ويضنيه ويقعده عن العبادات والتصرفات، وقد قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} وقال: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} . ومنها إمكان السير إلى الحج والعمرة لا تزاد فيه شدة الإسراع المضنية للأجساد ولا التباطؤ الخارج عن المعتاد. ومنها زيارة الإخوان لا يكثر منها بحيث يملونه ويستثقلونه، ولا يقل منها بحيث يشتاقونه ويعتبونه. ومنها مخالطة النساء لا يكثر بحيث تغلب عليه أخلاقهن، ولا يقللها بحيث يتأذين بذلك. ومنها دراسة العلوم لا يكثر منها بحيث يؤدي إلى السآمة والكراهة، ولا يقللها بحيث يعد مقصرا فيها. ومنها السؤال عما تدعوا الحاجة إليه إلى السؤال عنه من أمور الدنيا لا يكثر منه إلا لضرورة أو حاجة ماسة. وكذلك المزاح والضحك واللعب. وكذلك المدح المباح لا يكثر منه ولا يتقاعد عن اليسير منه عند مسيس الحاجة ترغيبا للممدوح في الإكثار مما مدح به أو تذكيرا له بنعمة الله عليه ليشكرها وليذكرها بشرط الأمن على الممدوح من الفتنة. وكذلك الهجاء الذي تمس الحاجة إليه لا ينبغي أن يكثر منه إلا حيث أمر به في الشهادات والروايات والمشورات، ولا تكاد تجد مداحا إلا رذلا، ولا هجاء إلا نذلا، إذ الأغلب على المداحين الهجائين الكذب والتغرير، ومدحك نفسك أقبح من مدحك غيرك، فإن غلط الإنسان في حق نفسه أكثر من غلطه في حق غيره، فإن حبك الشيء يعمي ويصم، ولا شيء أحب إلى الإنسان من نفسه، ولذلك يرى عيوب غيره ولا يرى عيوب نفسه، ويعذر به نفسه بما لا يعذر به غيره، وقد قال تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} .