فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 516

فتتعطل المصالح بسبب ذلك، لأن أحدهما يرى ما لا يرى الآخر من جلب المصالح ودرء المفاسد، فيختل أمر الأمة فيما يتعلق بالمصالح والمفاسد، وإنما تنصب الولاة في كل ولاية عامة أو خاصة للقيام بجلب مصالح المولى عليهم، وبدرء المفاسد عنه، بدليل قول موسى لأخيه هارون عليه السلام: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} . فإن كانا متساويين من كل وجه تخيرنا بينهما، ويحتمل أن يقرع بينهما دفعا لتأذي من يؤخر منهما، وإن كان أحدهما أصلح تعينت ولاية الأصلح؛ لما قدمناه من تقديم أصلح المصالح فأصلحها، وأفضلها فأفضلها إلا أن يكون الأصلح بغيضا للناس أو محتقرا عندهم، ويكون الصالح محببا إليهم عظيما في أعينهم، فيقدم الصالح على الأصلح، لأن الإقبال عليه موجب للمسارعة إلى طواعيته وامتثال أمره في جلب المصالح ودرء المفاسد، فيصير حينئذ أرجح ممن ينفر منه لتقاعد أعوانه عن المسارعة إلى ما يأمر به من جلب المصالح ودرء المفاسد، فيصير الصالح بهذا السبب أصلح.

المثال العشرون: إذا اجتمع اثنان يصلحان لولاية الأحكام، فإن تساويا من كل وجه ولينا كل واحد منهما قطرا إن شغرت الأقطار، وإن كانت مشحونة بالقضاة والحكام تخيرنا بينهما أو ولينا كل واحد منهما جانبا من جوانب البلد، أو أقرعنا بينهما كما ذكرنا في الإمام.

المثال الحادي والعشرون: إذا اجتمع جماعة يصلحون للقيام بالأيتام، قدم الحاكم أقومهم بذلك وأعرفهم بمصالح الأيتام، وأشدهم شفقة ومرحمة، فإن تساووا من كل وجه تخير. ويجوز أن يولي كل واحد منهم بعض الولاية ما لم يكن بينهما تنازع واختلاف يؤدي إلى تعطيل مصالحها، وتعطيل درء مفاسدها، لأن الولاية كلما ضاقت قوي الوالي على القيام بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، وكلما اتسعت عجز الوالي عن القيام بذلك.

المثال الثاني والعشرون: إذا اجتمع جماعة يصلحون للأذان فإن تساووا أقرعنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت