قائم فيها لم يملك إجبار الغاصب على قلعه وخير المالك بين أن يقر الزرع في الأرض إلى الحصاد وأن يأخذ من الغاصب أجر الأرض وأرش نقصها وبين أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له؛ لما روى رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته ) ) [1] رواه الخمسة إلا النسائي.
ولأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان. فلم يجز إتلافه؛ كما لو غصب سفينة فحمل فيها ماله وأدخلها البحر أو غصب لوحًا فرقع به سفينة فإنه لا يجبر على رد المغصوب في اللجة وينتظر حتى ترسي صيانة للمال عن التلف كذا هاهنا.
إذا ثبت هذا فمتى رضي المالك بترك الزرع للغاصب ويأخذ منه أجر الأرض فله ذلك؛ لأنه شغل المغصوب بماله فملك صاحبه أخذ أجره؛ كما لو ترك في الدار طعامًا أو أحجارًا يحتاج في نقله إلى مدة، وإن أحب أخذ الزرع فله ذلك كما يستحق الشفيع أخذ شجر المشتري بقيمته، وفيما يرد على الغاصب روايتان:
إحداهما: قيمة الزرع؛ لأنه بدل عن الزرع. فيقدر بقيمته؛ كما لو أتلفه.
ولأن الزرع للغاصب إلى حين انتزاع المالك له منه بدليل أنه لو أخذه قبل انتزاع المالك له كان ملكًا له [ولو لم يكن ملكًا له لما ملكه] [2] بأخذه فيكون أخذ المالك له تملكًا له، إلا أن يعوضه فيجب أن يكون بقيمته كما لو أخذ الشقص المشفوع. ويجب على الغاصب أجر الأرض إلى حين تسليم الزرع؛ لأن الزرع كان محكومًا له به وقد شغل به أرض غيره.
والرواية الثانية: أنه يرد على الغاصب ما أنفق من البذر ومؤونة الزرع في الحرث
(1) أخرجه أبو داود في سننه (3403) 3: 261 كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها.
وأخرجه الترمذي في جامعه (1366) 3: 492 كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (2466) 2: 824 كتاب الرهون، باب من زرع في أرض قوم بغير إذنهم.
وأخرجه أحمد في مسنده (16818) طبعة إحياء التراث.
(2) زيادة من المغني 5: 393.