والثانية: الإحياء ما تعارفه الناس إحياء؛ لأن الشرع ورد بتعليق الملك على الإحياء ولم يبينه ولا ذكر كيفيته فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياء في العرف كما أنه لما ورد باعتبار القبض والحرز ولم يبين كيفيته كان المرجع فيه إلى العرف.
ولأن الشارع لو علق الحكم على مسمى باسم لتعلق بمسماه عند أهل اللسان فكذلك يتعلق الحكم بالمسمى إحياء عند أهل العرف.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلق حكمًا على ما ليس إلى معرفته طريق فلما لم يبينه تعين العرف طريقًا لمعرفته، إذ ليس له طريق سواه.
إذا ثبت هذا، فإن الأرض تحيي دارًا للسكنى وحظيرة ومزرعة، فإحياء كل واحدة من [1] ذلك بتهيئتها للانتفاع الذي أريدت له. فأما الدار فبأن تبنى حيطانها بما جرت به العادة وتسقيفها؛ لأنها لا تكون للسكنى إلا بذلك.
وأما الحظيرة فإحياؤها بحائط جرت به عادة مثلها وليس من شرطها التسقيف؛ لأن العادة ذلك من غير تسقيف، وسواء أرادها حظيرة للماشية أو للخشب، ولو خندق عليها خندقًا لم يكن إحياء؛ لأنه ليس بحائط ولا عمارة إنما هو حفر وتخريب، وإن حاطها بشوك وشبهه لم يكن إحياء وكان تحجرًا؛ لأن المسافر قد ينزل منزلًا ويحوط على رحله بنحو من ذلك، ولو نزل منزلًا فنصب به بيت شعر أو خيمة لم يكن إحياء، وإن أرادها للزراعة فبأن يهيئها لإمكان الزرع فيها، فإن كانت لا تزرع إلا بالماء فبأن يجري إليها ماء من نهر أو بئر.
ولا يعتبر في إحياء الأرض حرثها ولا زرعها؛ لأن ذلك مما يتكرر كلما أراد الانتفاع بها. فلم يعتبر في الإحياء؛ كسقيها، وكالسكنى في البيوت، ولا يحصل الإحياء بذلك إذا فعله بمجرده لما ذكرنا.
مسألة: (أو يحفر بئرًا فيكون له خمس وعشرون ذراعًا حواليها وإن سبق إلى بئر عادية فحريمها خمسون ذراعًا) .
(1) زيادة من المغني 6: 179.