البئر العادية بتشديد الياء القديمة منسوبة إلى عاد ولم يرد عادًا بعينها، لكن لما كانت عاد في الزمن الأول وكانت لهم آثار في الأرض نسب إليها كل قديم فكل من حفر بئرًا في موات للتمليك فله حريمها خمس وعشرون ذراعًا من كل جانب، ومن سبق إلى بئر عادية فهو أحق بها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له ) ) [1] . وله حريمها خمسون ذراعًا من كل جانب. نص أحمد على هذا، واختاره أصحابنا.
وقال القاضي وأبو الخطاب: ليس هذا على طريق التحديد، بل حريمها على الحقيقة ما يحتاج إليه في ترقية مائها منها فإن كان بدولاب فقدر مد الثور أو غيره، وإن كان بساقية فبقدر طول البئر؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( حَريمُ البئر مَدُّ رشَائِها ) ) [2] أخرجه ابن ماجة.
ولأنه المكان الذي تمشي إليه البهيمة.
وإن كان يستقي منها بيده فبقدر ما يحتاج إليه الواقف عندها. وإن كان المستخرج عينًا فحريمها القدر الذي يحتاج إليه صاحبها للانتفاع بها ولا يستضر بأخذه منها [3] ولو على ألف ذراع. وحريم البئر من جانبيه ما يحتاج إليه لطرح كرايته بحكم العرف في ذلك؛ لأن هذا إنما يثبت للحاجة فينبغي أن تراعى فيه الحاجة دون غيرها.
والأصل فيه ما روى الدارقطني والخلال بإسنادهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( حريمُ البئر البَدِئ خمس وعشرون ذراعًا، وحريمُ البئر العاديِّ خمسون ذراعًا ) ) [4] وهذا نص.
ولأنه معنى يملك به الموات فلا يقف على قدر الحاجة كالحائط.
ولأن الحاجة إلى البئر لا تنحصر في ترقية الماء فإنه يحتاج إلى ما حولها عطنًا لإبله وموقفًا لدوابه وغنمه وموضعًا يجعل فيه أحواضًا يسقى منها ماشيته، وموقفًا لدابته التي يستقي الماء عليها وأشباه ذلك فلا يختص الحريم بما يحتاج إليه لترقية الماء.
(1) أخرجه أبو داود في سننه (3071) 3: 177 كتاب الخراج، باب في إقطاع الأرضين.
(2) أخرجه ابن ماجة في سننه (2487) 2: 831 كتاب الرهون، باب حريم البئر.
(3) في الأصل: منه. وما أثبتناه من المغني 6: 181.
(4) أخرجه الدارقطني في سننه (63) 4: 220 كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك، في المرأة تقتل إذا ارتدت، من حديث أبي هريرة. قال الدارقطني: الصحيح من الحديث أنه مرسل عن ابن المسيب، ومن أسنده فقد وهم.