ابتداء الوقف مفوض إليه فكذلك تفضيله وترتييه، وكذلك إن شرط إخراج بعضهم بصفة ورده بصفة مثل أن يقول: من تزوج منهم فله ومن فارق فلا شيء له أو عكس ذلك، ومن حفظ القرآن فله ومن نسيه فلا شيء له، ومن اشتغل بالعلم فله ومن ترك فلا شيء له، أو من كان على مذهب كذا فله ومن خرج منه فلا شيء له، فكل هذا صحيح على ما شرط، وقد روى هشام بن عروة أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لا تباع ولا توهب وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها فإن استغنت بزوج فلا حق لها في الوقف، وليس هذا تعليقًا للوقف بصفة بل الوقف مطلق والاستحقاق له بصفة، وكل هذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافًا عن غيره.
مسألة: (فإذا لم يبق منهم أحد فهو على المساكين) .
يعني: إذا وقف على قوم ونسلهم ثم على المساكين فانقرض القوم ونسلهم فلم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين ولا ينتقل إليهم ما دام فيهم أحد من القوم أو من نسلهم باقيًا؛ لأنه رتبه للمساكين بعدهم. والمساكين الذين يستحقون السهم من الزكاة، والفقراء يدخلون فيهم وكذلك لفظ الفقراء يدخل فيه المساكين؛ لأن كل واحد من اللفظين يطلق عليهما، والمعنى الذي يسميان به شامل لهما وهو الحاجة والفاقة. ولهذا لما سمى الله المساكين في مصرف كفارة اليمين وكفارة الظهار وفدية الأذى تناولهما جميعًا وجاز الصرف إلى كل واحد منهما، ولما ذكر الفقراء في قوله: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أحْصروا في سَبِيلِ الله} [البقرة:273] ، وقوله تعالى: {وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:271] تناول القسمين، وكل موضع ذكر فيه أحد اللفظين تناول القسمين إلا في الصدقات؛ لأن الله جمع بين الاسمين وميز بين المسميين فاحتجنا إلى التمييز بينهما، وفي غير الصدقات يسمى الكل بكل واحد من الاسمين، فإن جمع بين الاسمين بالوقف أيضًا فقال: وقفت هذا على الفقراء والمساكين نصفين أو ثلاثًا وجب التمييز بينهما أيضًا فنزلناهما منزلتهما من سهام الصدقات، وإن قال: على الفقراء والمساكين فقياس المذهب جواز الاقتصار على أحد الصنفين وإباحة الدفع إلى واحد كما قلنا في الزكاة، ويتخرج أن لا يجوز الدفع إلى أقل من ثلاثة من كل صنف بناء على القول في الزكاة