فهرس الكتاب
(( هو عليها صدقة ولنا هدية ) ) [1] .
فالظاهر: أن من أعطى شيئًا يتقرب به إلى الله للمحتاج فهو صدقة، ومن دفع إلى إنسان شيئًا للتقرب إليه والمحبة له فهو هدية وجميع ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تهادوا تحابوا ) ) [2] .
وأما الصدقة فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكن حصره وقد قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعما هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وتؤتوها الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ} [البقرة:271] .
إذا ثبت هذا فإن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض، وهو قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة والشافعي؛ لإجماع الصحابة. فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يعرف لهما في الصحابة مخالفًا، فروى عروة عن عائشة (( أن أبا بكر الصديق نحلها جذاذ عشرين وسقًا من ماله بالعالية. فلما مرض قال: يا بنية ما أحد أحب إلي غنى بعدي منك ولا أحد أعز علي فقرًا منك وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا ووددت أنك حزتيه وقبضتيه وهو اليوم مال الوارث أخواك وأختاك فاقتسموا على كتاب الله ) ) [3] ، ورواه مالك في الموطأ بمعناه.
واتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة.
ولأنها هبة غير مقبوضة. فلم تلزم؛ كما لو مات قبل أن يقبض فإن بالإجماع لا يلزم الوارث التسليم.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (4809) 5: 1959 كتاب النكاح، باب الحرة تحت العبد.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1074) 2: 755 كتاب الزكاة، باب إباحة الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم...
(2) أخرجه مالك في موطئه (16) 2: 693 كتاب حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة. عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 169 كتاب الهبات، باب التحريض على الهبة والهدية صلة بين الناس، عن أبي هريرة.
(3) أخرجه مالك في موطئه (40) 2: 576 كتاب الأقضية. باب ما لا يجوز من النحل.