فهرس الكتاب
بد منهما، سواء وجد القبض أو لم يوجد، وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي؛ لأنه عقد تمليك. فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالنكاح.
والصحيح: أن المعاطاة والأفعال الدالة على الإيجاب والقبول كافية ولا يحتاج إلى لفظ، وهو اختيار ابن عقيل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي ويهدى إليه، ويعطي ويعطى، ويفرق الصدقات ويأمر سعاته بتفريقها وأخذها. وكان أصحابه يفعلون ذلك ولم ينقل عنهم في ذلك إيجاب ولا قبول ولا أمر به ولا علمه لأحد، ولو كان ذلك شرطًا لنقل عنهم نقلًا مشتهرًا.
و (( كان ابن عمر على بعير لعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: بعنيه. فقال: هو لك يا رسول الله، فقال النبي عليه السلام: هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت ) ) [1] ، ولم ينقل قبول النبي صلى الله عليه وسلم من عمر ولا قبول ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان شرطًا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه ابن عمر، ولم يكن ليأمره أن يضيع به ما شاء قبل أن يقبله.
ولا خلاف بين العلماء فيما علمناه في أن تقديم الطعام بين يدي الضيفان إذن في الأكل وأنه لا يحتاج إلى قبول [2] بقوله.
ولأنه وجد ما يدل على التراضي بنقل الملك. فاكتفي به؛ كما لو وجد الإيجاب والقبول.
قال ابن عقيل: إنما يشترط الإيجاب والقبول مع الإطلاق وعدم العرف القائم بين المعطي والمعطى؛ لأنه إذا لم يكن عرف يدل على الرضى فلا بد من قول دال عليه، إما مع قرائن الأحوال والدلالة فلا وجه لتوقيفه على اللفظ. ألا ترى أنا اكتفينا بالمعاطاة في البيع. واكتفينا بدلالة الحال في دخول الحمام وهو إجارة وبيع أعيان فإذا اكتفينا في المعاوضات مع تأكدها بدلالة الحال، وأنها تنقل الملك من الجانبين. فلأن نكتفي به في الهبة أولى.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (2468) 2: 921 كتاب الهبة وفضلها. باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق.
(2) في الأصل: قول. وما أثبتناه من المغني 6: 253.