في جُعل الآبق إذا جاء به خارجًا من الحرم دينارًا )) ، وأيضًا فإنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم في زمنهم مخالفًا فكان إجماعًا.
ولأن في شرط الجعل في رده حثًا على رد الإباق وصيانة لهم عن الرجوع إلى دار الحرب وردتهم عن دينهم وتقوية أهل الحرب بهم، فينبغي أن يكون مشروعًا لهذه المصلحة، وبهذا فارق رد الشارد فإنه لا يفضي إلى ذلك. والرواية الأخرى أقرب إلى الصحة؛ لأن الأصل عدم الوجوب، والخبر المروي في هذا مرسل، وفيه مقال ولم يثبت الإجماع فيه ولا القياس فإنه لم يثبت اعتبار الشرع لهذه المصلحة المذكورة فيه ولا تحققت أيضًا فإنه ليس الظاهر هربهم إلى دار الحرب إلا في المجلوب منها، إذا كانت قريبة وهذا بعيد فيهم.
وأما على الرواية الأولى فقد اختلفت الرواية في قدر الجعل؛ فروي عن أحمد أنه عشرة دراهم أو دينار إن رده من المصر، وإن رده من خارجه ففيه روايتان:
إحداهما: يلزمه دينار أو اثنا عشر درهمًا للخبر المروي فيه.
ولأن ذلك يروى عن عمر وعلي رضي الله عنهما.
والثانية: له أربعون درهمًا إذا رده من خارج المصر. اختارها الخلال، وروى أبو عمرو الشيباني قال: قلت لعبدالله بن مسعود: (( إني أصبت عبيدًا أباقًا. فقال: لك أجرٌ وغنيمة. فقلت هذا الأجر فما الغنيمة؟ قال: من كل رأس أربعون درهمًا ) ) [1] .
وهذا يدل على أنه مستفيض في العصر الأول.
قال الخلال: حديث ابن مسعود أصح إسنادًا.
مسألة: (وإن كان التقطها قبل ذلك فردها لعلة الجعل لم يجز له أخذه) .
إنما كان كذلك؛ لأنه إذا التقطها قبل أن يبلغه الجعل فقد التقطها بغير عوض وعمل في مال غيره بغير جعْل جعِل له فلا يستحق شيئًا، كما لو التقطها ولم يجعل ربها فيها شيئًا. وفارق الملتقط بعد بلوغه الجعل لأنه إنما بذل منافعه بعوض جعل له فاستحقه
(1) أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (14911) 8: 208 كتاب البيوع، باب الجعل في الآبق.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 200 كتاب اللقطة، باب الجعالة.