فصل
ولا يملك الموصى له الوصية إلا بالقبول في قول جمهور الفقهاء إذا كانت لمعين يمكن القبول منه؛ لأنها تمليك مال لمن هو من أهل الملك متعين. فاعتبر قبوله؛ كالهبة والبيع.
قال أحمد: الهبة والوصية واحد، وأما إن كانت لغير معين؛ كالفقراء والمساكين، ومن لا يمكن حصرهم؛ كبني هاشم وتميم، أو على مصلحة؛ كمسجد أو حج لم يفتقر إلى قبول ولزمت بمجرد الموت؛ لأن اعتبار القبول من جميعهم متعذر فسقط اعتباره كالوقف عليهم ولا يتعين واحد منهم فيكتفي بقبوله، ولذلك لو كان فيهم ذو رحم من الموصى به مثل أن يوصي بعبد للفقراء وأبوه فقير لم يعتق عليه.
ولأن الملك لا يثبت للموصى لهم بدليل ما ذكرنا من المسألة وإنما يثبت لكل واحد منهم بالقبض فيقوم قبضه مقام قبوله، أما الآدمي المعين فيثبت له الملك فيعتبر قبوله لكن لا يتعين القبول باللفظ بل يجزئ ما قام مقامه من الأخذ والفعل الدال على الرضا كقولنا في الهبة والبيع. ويجوز القبول على الفور والتراخي ولا يكون إلا بعد موت الموصي؛ لأنه قبل ذلك لم يثبت له حق ولذلك لم يصح رده. وإذا قبل ثبت له الملك من حين القبول في الصحيح من المذهب، وهو قول مالك وأهل العراق، وحكي ذلك عن الشافعي.
وذكر أبو الخطاب في المسألة وجهًا آخر: أنه إذا قبل تبينا أن الملك ثبت حين موت الموصي، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن ما وجب انتقاله بالقبول وجب انتقاله من جهة الموجب عند الإيجاب؛ كالهبة والبيع.
ولأنه لا يجوز أن يثبت الملك فيه للوارث؛ لأن الله تعالى قال: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11] .
ولأن الإرث بعد الوصية ولا يبقى للميت؛ لأنه صار جمادًا لا يملك شيئًا.
والأول أصح؛ لأنه تملك عين لمعين يفتقر إلى القبول. فلم يسبق الملك القبول؛ كسائر العقود.
ولأن القبول من تمام السبب والحكم لا يتقدم سببه.